امتحان المحكمة الجنائية الدولية
قد يصدم أي مواطن عربي وحاكم عربي أيضاً أن يطلب مدّعي عام في محكمة جنائية دولية تحقق في ما يُسمّى إبادة جماعية لجماعة بشرية، في عالم عربي اعتادَ أن يسحقَ المعارضين فيه كما يُسحق النمل تحت اقدام عمياء، من دون أن يرف له جفن ومن غير أن تحدث ثورة على اعتبار أن شعوبنا العربية تعيش تحت لواء حكمة: "ما متت ما شفت مين مات"، وفي إطار "السمع والطاعة" لولاة الأمور ولو كانوا "فجرة"!
هي سابقة أن يصدر قرار عن محكمة دولية بطلب توقيف رئيس دولة أفريقية – عربية، قد يستوعب العقل الأوروبي طلب اعتقال ومحاكمة "ميلوسوفيتش"، هم أنفسهم العرب والمسلمون الذين صفقوا لاعتقال رجل جرائم الحرب الصربية بحق البوسنة والهرسك، سيستنكرون أن يوجه اتهام الى رئيس في العالم العربي، بصرف النظر عما اذا كان بريئاً أم مذنباً.
الرؤساء في العالم العربي فوق القانون والمحاكمات والمساءلات والخضوع للتحقيق في تهمة حتى ولو كانت إبادة جماعية، حتى ولو كان ما يحدث في دارفور لا يمت الى حضارة الإنسان المتوحش، حيث يغتصب الأطفال والنساء ويقتلون والقرية الكونية تعتم على الجرائم!!
في العالم العربي لا يحاكم حاكم، بل يموتون بعد أن يميتوا شعوبهم الذين يعتقدون في إيمان بريء ساذج أنّ الله يمدّ الحبل للحكام لأنهم سيصلون جهنم في ما بعد لأنهم طغاة، أو في إيمان غاضب يلطى تحت مظلة: "مثلما تكونون يولّى عليكم" أو في إيمان مستسلم يدعو في سرّه: "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين"..
احتمل العالم العربي مشهد إسقاط نظام صدام حسين، ثم احتمل مشهد سقوط بغداد، وسقوط تمثال صدام حسين، ثم احتمل مشهد محاكمة صدام حسين، ثم احتمل مشهد إعدام صدام حسين، الآن يواجه العالم العربي مأزقاً استدعى انعقاداً طارئاً لمجلس وزراء الخارجية العرب، مشهد إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس عربي، هي فرصة كاملة لمشاهدة حقيقة ولصدقية الأمم المتحدة عندما تدّعي إنشاء محكمة جنائية، وعند تعيين مدّعٍ عام يوجه التهم ويصدر مذكرات التوقيف، هي فرصة لنفهم لِمَ قال لنا أمس الأول "بان كي-مون" إن المحكمة الدولية لمحاكمة المتورطين في اغتيال الرئيس الحريري وجرائم الاغتيال الأخرى لن تنطلق قبل تأمين تمويل السنتين التاليتين، فيما كان سابقاً أعلن قرب انطلاقها بعد تأمين تمويل العام الأوّل!!
هي فرصة أن نفهم لِمَ كان بان كي-مون "مصفرن" وشارد الذهن في فرنسا متخوّفاً على جنود الأمم المتحدة في دارفور.. بالتأكيد يهمنا أن نشاهد المشهد هذا، فعندنا 15 ألف جندي في إطار الأمم المتحدة، ويفترض أن بانتظارنا محكمة جنائية ستوجه تهماً وتدّعي على متهمين، وعندنا أيضاً رعايا أجانب قد يدبّ الذعر في قلوب دولهم خوفاً عليهم، لسبب بسيط: الإنسان عندهم له قيمة، عندنا الناس "أعداد" أرقام ليس أكثر من ذلك، قتلهم أسهل من قتل البرغش.. العالم العربي الآن أمام مشهد مخيف.. الى جانب من سيقف، وأقصر الطرق للهروب ما صدر من السودان "الاتهام سياسي"… كأننا أمام سيناريو قد يقودنا بعد حين الى مشهد مماثل، فإما أن يسقط وهم عدالة الأمم المتحدة والمحكمة الدولية ودفاع العالم العربي عن المقتول، وإما نحن أمام تعزيز ثقافة اغتيال الشعوب والأشخاص!
وبصرف النظر عن أي موقف مسبق من توجيه الإتهام، أو من تبرئة الرئيس السوداني، فانحيازي الانساني يقودني الى الإنسان المسحوق في دارفور، وبتّ أشك كثيراً كثيراً سواء في عدالة الارض وأحياناً في عدالة السماء أيضاً!!