تعطيلات متبادلة
تعدّدت الانطباعات عن المشهد "اللبناني" الذي واكب احتفالات باريس بـ14 تموز. عنيت المؤتمر الصحافي الرباعي حيث توسط الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وامير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كلا من الرئيسين اللبناني ميشال سليمان والسوري بشار الاسد. لكن الانطباع الاكثر واقعية يبقى ان المشهد هو اقرب الى اشهار تفاهم على قواعد "اللااشتباك" بين فريقين متصارعين على الملعب الاقليمي – الدولي في لبنان، في غياب قطبيهما الاميركي والايراني ولكن بموافقتيهما الضمنيتين اللتين لا تنتقص منهما انتقادات واشنطن السابقة لساركوزي، وانتقادات طهران اللاحقة للاسد وتفاوضه مع تل ابيب.
اهم خطوط هذا الملعب وابرزها الملف النووي الايراني. ويبدو ان اقتراب الولايات المتحدة من موعد الانتخابات الرئاسية يقلل فرص اقدام ادارة الرئيس جورج بوش على حسمه عسكريا. وهو يؤاتي طهران التي يهمها تجنّب الحرب بسبب كلفتها المدمرة عليها، وان كرّرت ادعاء قدرتها على الرد وتكبيد خصمها ومحيطها الكثير.
الخط الموازي في الاهمية هو المحكمة ذات الطابع الدولي. فالنظام السوري المحاصر عربيا ودوليا بالمسؤولية عن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، استنفد كل الوسائل للتهرب من المسؤولية السياسية والامنية عن الجريمة، وخصوصا ان جرائم الاغتيال السياسي التي تبعت الجريمة الكبرى لم تبعد اصابع الاتهام عن دمشق، فيما لم يؤد خروج الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك من قصر الاليزيه، والخروج القريب للرئيس الاميركي جورج بوش من البيت الابيض، "لعلة" الديموقراطية في البلدين، الى طي ملفها. تضاف الى ذلك مصلحة النظام السوري في استعادة اعتباره الدولي . وهو كان بدأ ذلك بالاتجاهين في الدوحة واسطنبول، بعدما مهد لهما في القمة العربية في دمشق مطلع السنة باعلان الرغبة في اداء دور يناسب رئاسة بلاده الدورية للقمة لجهة المصالحات العربية من جهة، وتجديد اعلان رغبته في السلام مع اسرائيل من جهة اخرى، متسلحا بنتائج حرب تموز التي خاضها بالتهليل لحليفه "حزب الله". وكما استعاض عن الحوار المباشر مع الحكومة الاسرائيلية بحوار غير مباشر مع "تقنيين اسرائيليين" فانه استعاض عن المصالحة مع الاعتدال العربي بالاصغاء الى قطر التي تمثل تقاطعا اميركيا – عربيا – ايرانيا – اسرائيليا لا يحتاج الى نقاش، وهو كان افتقد هذا الاعتبار اثر جريمة اغتيال الرئيس الشهيد.
تراهن طهران على الوقت لتحقيق طموحها النووي في حين تراهن واشنطن على اسرائيل لضرب هذا الطموح. وتدخل رزمة الاقتراحات الدولية لحل الازمة النووية في سباق مع صرخات الحرب، فيوظف الرئيس الفرنسي طموح الرئيس السوري الى استعادة اعتبار نظامه، في وساطة حلحلة مع حليفه الايراني. ويرد "الخدمة" سلفا بتعهد تعجيل الموافقة الاوروبية على الشراكة مع سوريا.
فأين لبنان من المشهد الرباعي؟
لبنان كان اولاً القاعدة في الموقف الفرنسي – الفرنسي، وليس مصادفة ان يقر النظام السوري باقامة العلاقات الديبلوماسية مع بيروت في رعاية باريس التي ينكر عليها، تاريخيا، ضم الاقضية الاربعة الى لبنان في معاهدة سايكس – بيكو. والاهم من هذا الاقرار ما تضمنه النقاش من وقف التدخل في الشأن اللبناني، ووقف دخول السلاح الى لبنان. وربما الاهم عدم تغاضي الرئيس اللبناني عن تجنب نظيره السوري الاشارة الى ترسيم الحدود. ورده بتأكيد ضرورة ذلك مع التنبه الى عقد طاولة الحوار الوطني التي تلافاها الرئيس السوري معطيا تسلسلا لحل الازمة الداخلية يخالف اتفاق الدوحة ويعطي الاولوية، بعد تشكيل الحكومة، الى اقرار قانون الانتخاب.
لكن ذلك لا يخفف من مغزى المشهد: التزام الرئيس السوري امام الرئيس اللبناني المنتخب باجماع اللبنانيين، مواطنين قبل النواب، تحت انظار رئيس فرنسا التي رعت ولادة بلاد الارز، وتحت "كفالة" قطر بما تمثل من تقاطعات. الا ان كل التعهدات تبقى رهن اليوميات، وليس كلام وزير الخارجية السوري خارج هذا الاطار وهو الذي ربط في حوار صحافي لاحق تبادل العلاقات الديبلوماسية بتعديل بعض الاتفاقات الثنائية ودرس وضع المجلس الاعلى السوري – اللبناني.
وكما انتقل الاشتباك اللبناني الداخلي المسلح الى مجلس الوزراء الجديد حيث سيعطّل كل طرف توجهات الطرف الآخر، فان التعهدات المتبادلة في المشهد الرباعي ليست اكثر من تعطيلات متبادلة: لا تقدم نوويا ايرانيا، في مقابل لجم الضربة العسكرية. لا استكمال لتلميع سوريا دوليا من دون تنفيذ التعهدات اللبنانية. كل ذلك في انتظار الانتخابات الاميركية، مما يعطي الجميع، اذا صدقت الالتزامات، فرصة تهدئة تستكمل دمشق وتل ابيب خلالها ترتيبات السلام تحضيرا للرعاية الاميركية (الفرنسية)، ويتواصل الحوار الايراني – الدولي وصولا الى حل (الا اذا خرقته اسرائيل بضربة مفاجئة للحلم الايراني النووي".
اين المحكمة الدولية من كل ذلك؟
لم تكن موضع بحث، يقول ديبلوماسي لبناني. وهي العصا المرفوعة في وجه مرتكب جريمة العصر المتواصلة من اغتيال رفيق الحريري الى وسام عيد، ولا يملك احد قرار اسقاطها، وان يكن يمكن تحديد قوة ضربتها وهذا ما لم يحن اوانه، وربما لن يحن.