للدولة أم لوارثيها؟
من المفارقات البالغة الدلالة التي واكبت ولادة حكومة العهد الاولى، ولا تزال تتفاعل حتى عشية جلستها الاولى، ان هذه الولادة تبدو اقرب الى الخروج من جولة انتخابية مصغرة منها الى تأليف حكومة. فاذا جمعت الظواهر الاحتفالية مع التداعيات السياسية وضربت الاخماس بالاسداس حيال خروج وجوه ودخول وجوه لخال اللبنانيون انهم عاشوا من دون ان يدركوا عرضا باهرا من العروض الانتخابية المكشوفة والمستترة قبل عشرة اشهر من دعوتهم الى صناديق الاقتراع.
يستأهل هذا العرض بعض المراجعة وامعان النظر في الكثير من تفاصيله المعبرة كونه كشف الى حد بعيد السلوك الجماعي والفردي لما يسمى طبقة سياسية غالبا ما تنضح بوحدة حال لدى مقاربتها مصالحها المباشرة فيما هي متقاتلة ومتحاربة على كل شيء.
قدمت هذه الطبقة الى اللبنانيين، عبر الحكومة، صورة شديدة التناقض في تمثيل قواها المختلفة، مما يعني ان الازمة المتمادية منذ اعوام بدأت ترخي عليها عوارض الانهاك وتدفعها الى مزج الغث بالسمين. الاحتفاء بالوزراء الجدد كعلامة ضخ دم جديد في جسم متكلس عكس حاجة شديدة لدى القوى السياسية الى مراضاة الرأي العام المحلي والشعبي بعلامة تغيير وإن نسبية بعدما شعرت هذه القوى انها تقترب من خط الخطر مع الاستهلاك المديد لوجوهها التقليدية التي امعن الصراع السياسي والاستغراق الاعلامي في تنفير الناس من انماطها الجامدة ولغتها الخشبية الاصطفافية.
غير ان ذلك لا يعني قطعا ان "النخبوية" رافقت كل وافد جديد على الحكومة، ولا بطبيعة الحال ان ليس بين قدامى الوزراء نخبويون. ثمة نخبويون خرجوا ونخبويون دخلوا، وآخرون بقوا، لكن مجموع هؤلاء قياسا بسائر الوزراء الموصوفين حصرا بصفتهم الحزبية والسياسية على اساس معايير الصراع والتمثيل يبقى ضمن النسبة الاصغر في تكوين الحكومة. اذاً فالمفعول الاقرب توقعا لهذه الناحية هو استمرار طغيان معايير الوزير الصراعي على الوزير التغييري حتى ثبوت العكس الذي يفترض نجاح النخبويين في اقحام المعايير الدستورية المستقيمة والصارمة في مفهوم الخدمة العامة. وإحداث هذه "العدوى" في صفوف الحكومة يتطلب وزراء لا يكتفون بسير ذاتية مشرفة بالكفايات العلمية والاختصاصية فقط بل بسلوكيات شخصية اقتحامية لكل معايير السياسة الرائجة.
والامر الآخر الذي لا يقل اهمية يتصل بقابلية "القوى الحكومية" على الاتعاظ بسرعة من تداعيات عملية التأليف واظهار الجدية الكافية لتدشين مرحلة اختبار المسؤوليات السلطوية ليس على اساس صوغ التحالفات الانتخابية والاستعداد لها عبر "الوزارة الراشية" بل عبر وزارة الريع العام. بعض ما جرى في الايام التي اعقبت الولادة الحكومية والتي افسح بها طول المدة بين التأليف وانطلاقة عمل الحكومة بدا هزليا في مكان ومَرَضيا (من مرض) في مكان آخر. الظواهر الاحتفالية المبهرجة احتفاء بوصول وزراء كادت تسابق ايام الجلوس على العرش في بلد يكابد اقسى المشقات والازمات بفعل سياسات دفنت مشروع الدولة تحت طبقات ارضية عميقة. و"الدفرسوارات" التي احدثها بعض التغيير في التمثيل الحكومي كادت ان تطغى على صورة حماة مشروع الدولة وتنذر بفرطه قبل الوصول الى الواقعة الحاسمة.
ولعلها ضارة نافعة سبقت "اليوم الآخر" الذي يبدأ الآن، والذي لن يحط رحاله إلا وتكون "حكومة الوحدة الوطنية" قد استنفدت أمام الناخبين العرض الاخير لطبقة زعمائهم ومسؤوليهم في عشرة اشهر مقبلة إما تكون مدماكاً لمشروع دولة حقيقية وإما تكون لسائر الدويلات الوريثة.