التسوية متاحةٌ على مرحلتين في البيان الوزاري أولاً ثم في الحوار الوطني.. بهدف إقامة الدولة
حكومة الوحدة تتبنّى "الاستراتيجية الدفاعية" ومؤتمر بعبدا يحدّدها
ليس إفتعالاً القول إنّ البيان الوزاري لـ"حكومة الوحدة الوطنية" سيكون العنوان الأساسي في الأيام المقبلة.
ومن الواضح سلفاً انّ الموضوع السياسي المركزي الذي يُفترض أن يتوقف البيان الوزاري عنده ليقدّم صياغةً "منطقية" بشأنه، هو موضوع السلاح أي سلاح "حزب الله".
14 آذار: نصرالله ينسب "التبادل" الى 1701
وليس سرّاً في هذا المجال انّ ثمّة رأيين كبيرين ـ أو قناعتين ـ حيال هذا الموضوع. الأول هو الذي تعبّر عنه محصلة حركة 14 آذار ويعتبر ان التطورات التي حصلت، لا سيما منذ آب 2006، أدت إلى إنتهاء "موضوعي" لمشروع "المقاومة". ذلك انّ القرار الدولي 1701 وضع الجنوب في عهدة ثنائية الجيش اللبناني ـ قوات الطوارئ الدولية المعزّزة، أي انّ هذا القرار الذي التزم به لبنان بإجماع حكومته آنذاك ينهض على التعاون بين المجتمع الدولي من ناحية والدولة اللبنانية من ناحية ثانية.
حتّى "حزب الله" ـ ولو بمرور سريع ـ قام على لسان أمينه العام السيّد حسن نصرالله في مؤتمره الصحافي الأخير الذي تحدّث فيه عن عملية التبادل مع إسرائيل بتنسيب تحرير الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية إلى القرار 1701. إعتبر الأسرى بنداً في القرار. وتحدث عن وساطة أممية لا ألمانية قرّرها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ورعاها تنفيذاً لهذا القرار. ولفت إلى انّ التفاوض معه أخذ في الإعتبار "واقع" انّ الجنديين الإسرائيليين موجودان لديه لأن وجودهما لدى الدولة كان سيجعلها عرضةً لضغوط كبيرة.
إذاً، ترى 14 آذار انّ "وظيفة" المقاومة انتهت "فعلياً" في العام 2006، وإن كان كثيرون ضمنها ـ ضمن 14 آذار ـ يعتبرون انّ إنتهاء وظيفة المقاومة "تاريخياً" كان في العام 2000. وترى كذلك انّ وظيفة الدفاع عن الأرض وحماية اللبنانيين هي وظيفةٌ سيادية للدولة.
والسلاح ذو صلاحية منتهية.. على الحدود وفي الداخل
ومن نقطة الإنطلاق هذه، تنظر 14 آذار إلى سلاح "حزب الله" على انه ـ كسلاح مقاومة ـ ذو "صلاحية" منتهية. وبالنسبة إليها فانّ الدليل على إنتهاء "صلاحيته" هو توجيهه نحو الداخل وضدّه والتصرّف به كأداة لتغيير موازين القوى السياسية الداخلية. وهذا ما يعني أمرين من وجهة نظر 14 آذار: أولهما انّ "سلاح المقاومة" هو نفسه صار سلاحاً ميليشياوياً، والثاني إستحالة "الفصل" بين سلاحَين أحدهما مقاوم وثانيهما داخلي لأنّ السلاح "واحد" وآتٍ من وظيفة المقاومة إلى وظيفة داخلية.
"حزب الله" ووظائف السلاح و"توظيفه"
في المقابل، الرأيُ الثاني هو الذي يعبّر عنه "حزب الله" وحلفاؤه. يعترف الحزب بالقرار 1701، لكنه لا يعترف بـ"نتيجته" الرئيسية المتصلة بإنتهاء وظيفة المقاومة. وتأسيساً على الـ1701 يطرح مقاومة "مستمرّة" بمهام تحريرية ودفاعية، مقاومة من خارج الدولة وفي موازاتها، يربطها بأهداف يُفترض أن تكون أهدافاً للدولة أو أنها أهدافٌ للدولة السيّدة مثل مواجهة الإعتداءات أو المياه أو التوطين.. ولا يُخفي في عدد من الأحيان هدف مواجهة المشروع الأميركي إقليمياً.
وأكثر من ذلك، لا يعترف "حزب الله" بانّه إستخدم سلاحه في الداخل وضدّه. صاغ لنفسه "تخريجة" تقول انّ سلاح المقاومة إستخدم للدفاع عن سلاح المقاومة في وجه المسيئين إليها. لكنّه "لا ينتبه" أحياناً كثيرة إلى انّ خطابه السياسي "يكشف" حقيقة انّ السلاح إستُخدم لأغراض سياسية داخلية. وها هو أحد قياديي الحزب يُعلن قبل يومين انّ "الثلث الضامن" ـ الذي أُخذ بالقوة بالمناسبة ـ يعني تحرير القرار اللبناني من أميركا، ما يعني انّه لا يزال يتعامل مع 14 آذار بوصفها ممثّلة أميركا وانّ المساكنة معها في إطار الحكومة إنما هي مرحلة إنتقالية. وينتقل القيادي بعد ذلك إلى التحذير من انّ القرارات في مجلس الوزراء محكومةٌ بأن تكون تسويات ـ يمرّرها "الثلث الضامن" أو يُعطلها ـ حتّى إنتخابات العام المقبل، ما يعني انّ بعد العام 2009 سيكون الأمر مختلفاً، فكيف يكون مختلفاً إن لم يُفرض تغيير سياسي بالقوة؟
التسوية على مرحلتين
من نافل القول إذاً إنّ "الهوّة" بين الرأيين كبيرةٌ جداً. فـ14 آذار تريد بياناً وزارياً "جديداً" يأخذ في الإعتبار كل التطورات الآنفة وأبعادها. أمّا "حزب الله" فيتمسّك بالبيان الوزاري "القديم"، أي بيان الحكومة السابقة، محتفظاً بـ"تفسيره" للبيان "القديم" وإشارته إلى المقاومة.
فهل يكونُ البيان الوزاري "إستحالة" والحالةُ هذه؟.
ثمّة تسوية على مرحلتين، ممكنة ومتاحة.
لقد تشكّلت "حكومة الوحدة الوطنية" في رحاب "إتفاق الدوحة"، تماماً كما كان إنتخاب الرئيس ميشال سليمان وخطاب قسمَه في رحاب "إتفاق الدوحة" وإطاره أيضاً.
"إتفاق الدوحة" و"خطاب القسم"
في البند "رابعاً" من "إتفاق الدوحة" وفي مجال التأكيد على "إتفاق الفينيسيا" الذي مهّد لذهاب الوفود إلى العاصمة القطرية، يرِد تذكير بأن "الأطراف تتعهد بالامتناع عن أو العودة الى استخدام السلاح أو العنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية"، وبـ"إطلاق الحوار حول تعزيز سلطات الدولة اللبنانية على كافة أراضيها وعلاقاتها مع مختلف التنظيمات على الساحة اللبنانية بما يضمن أمن الدولة والمواطنين".
غير ان "اتفاق الدوحة" بعد ان يذكّر بـ"اتفاق الفينيسيا" يقول انّه "تم اطلاق الحوار في الدوحة حول تعزيز سلطات الدولة"، وانه "تمّ الاتفاق على حظر اللجوء الى استخدام السلاح أو العنف او الاحتكام اليه (…) وتحت أي ظرف، وحصر السلطة الأمنية والعسكرية على اللبنانيين والمقيمين بيد الدولة (..)" كما "تم الاتفاق على تطبيق القانون واحترام سيادة الدولة في كافة المناطق اللبنانية (…)". ويعلن "استئناف الحوار برئاسة رئيس الجمهورية فور انتخابه وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وبمشاركة الجامعة العربية".
أما في خطاب القسم الرئاسي فقد وردت فقرة رئيسية تقول إن "نشوء المقاومة كان حاجة في ظل تفكك الدولة، واستمرارها كان في التفاف الشعب حولها وفي احتضان الدولة كياناً وجيشاً لها، ونجاحها في اخراج المحتل يعود الى بسالة رجالها وعظمة شهدائها". ويضيف "الاّ ان بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال ومواصلة العدو الاسرائيلي لتهديداته وخروقاته للسيادة، يحتم علينا استراتيجية دفاعية تحمي الوطن، بالتلازم مع حوار هادئ للاستفادة من طاقات المقاومة خدمة لهذه الاستراتيجية (…)
البيان الوزاري: الاستراتيجية الدفاعية
التسوية للمرحلة الأولى أي لمرحلة البيان الوزاري هي إذاً استعادة نص "اتفاق الدوحة" حرفياً، واستعادة هذه الفقرة من خطاب القسم حرفياً. والكلمة المفتاحية في هذه التسوية هي "الاستراتيجية الدفاعية"، اي أن ينص البيان الوزاري على التوجه الى صوغ استراتيجية دفاعية للدولة.
أمّا ما هي تلك "الاستراتيجية الدفاعية"؟ الجواب في مؤتمر الحوار الوطني برئاسة رئيس الجمهورية. وبكلام آخر ان الاستراتيجية الدفاعية للدولة كما يقررها مؤتمر الحوار وأهدافها ووسائلها.. هي التسوية للمرحلة التالية.
وفقاً لكل المعاني الآنفة، ان التسوية على مرحلتين متاحة، ولا مبرر لـ "أزمة بيان وزاري".
الاستحالات
وبصراحة، ثمة إستحالات عدة يجب أخذها في الاعتبار. إستحالة قيام الدولة بجوار "دولة حزب الله" وسلاحه. وإستحالة قيام الدولة، دولة الاستقلال بدون مشاركة الطائفة الشيعية فيها. فاذا كانت "حقوق الشيعة" مضمونة في عقد الشراكة الوطنية في إتفاق الطائف، فان مشاركة الشيعة وممثليهم في قيام الدولة لا بدّ منها. لكن ثمة إستحالة لأن يشارك الشيعة في قيام الدولة وبنائها بوجود السلاح. أما الإستحالة الكبرى فهي ان يتم إخضاع العملية السياسية ـ والانتخابات النيابية من ضمنها ـ الى السلاح والقوة العسكرية.
لذلك، لا بدّ من بيان وزاري "مُحدّث"، ولا بدّ من تغليب أولوية قيام الدولة.. ثم لا بد للحوار الوطني ان يتوصل تحت سقف الطائف، و"اتفاق الدوحة" اي تحت سقف الدولة، الى تكريس دعائم الدولة ضمانة الشراكة الوطنية.