#adsense

تحرر الأسرى الخمسة من السجون الإسرائيلية فمتى يأتي دور المئات من الأبطال في السجون السورية؟

حجم الخط

تحرر الأسرى الخمسة من السجون الإسرائيلية فمتى يأتي دور المئات من الأبطال في السجون السورية؟
إعداد رياض طوق

لمناسبة اطلاق الأسرى اللبنانيين المحررين من السجون الاسرائيلية واسترجاع جثث الشهداء من لبنانيين وعرب، وفي انتظار أن يكتمل هذا المشهد الوطني الذي سينهي مأساة العائدين ومعاناة ذويهم، يحق للبنانيين أن يسألوا:

لماذا يقفل ملف الأسرى في السجون الاسرائيلية بينما لا يزال ملف المفقودين والمعتقلين في السجون السورية يراوح مكانه منذ أكثر من ثلاثين عاماً؟ ولماذا تثار هذه القضية مزاجياً وفي مناسبات ملتبسة؟ ولماذا يقفل على المعلومات الرسمية في أدراج اللجان المتعاقبة التي تناوبت على هذا الملف؟ واذا كنا نهلّل مع المحتفلين بخروج الأسرى اللبنانيين من المعتقلات الاسرائيلية، فمتى نهلّل مع الأمهات المعتصمات أمام مبنى الاسكوا في بيروت في الصقيع والحر منذ شهور عديدة بعودة أبنائهن من سوريا؟

وكيف تتعاطى الدولة اللبنانية مع ملف السجناء في السجون السورية؟ ومتى تتحول هذه القضية الى قضية وطنية جامعة عابرة للطوائف والأحزاب والمذاهب والانقسامات السياسية حول جنس الملائكة؟

قبل الانسحاب السوري من لبنان:

لقد أخطأ الكثيرون عندما اعتقدوا أن هذا الملف سيجد طريقه الى الحل بانسحاب الجيش السوري من لبنان، وبتفلّت المؤسسات والقرارات الكبرى من قبضة الوصاية. لقد أخطأوا عندما اعتقدوا أن بعض الذين سكتوا عن هذه القضية في حقبة الوصاية، اما خوفاً أو احراجاً أو مسايرة "لوحدة المسار"، سيرفعون أصواتهم حتى لا يبقوا شهود زور أمام الوقائع التي يعرفونها جيداً بالأسماء والتواريخ والأرقام.

كما أخطأوا في اعتقادهم أن بعض الذين رفعوا أصوتهم سابقاً سيحافظون على مواقفهم كثابتة من الثوابت الوطنية لا تتأثّر بالظروف والتحالفات والسعي الى السلطة. وفي الوقت الذي يقفل فيه ملف المعتقلين اسرائيليّاً نجد أنه يزداد غموضاً وضبابيّة من الجهة السورية.

اذا عدنا بالذاكرة الى ما قبل انسحاب الجيش السوري نجد أن الدولة التي تعتبر مسؤولة دستورياً وقانونيا ً وأخلاقياً عن حياة وكرامة وحقوق مواطنيها، لم تبذل أي جهد جدّيّ لمعرفة مصير أبنائها وللمطالبة بعودتهم، بل كان بعض أركانها يعمدون الى طمس الحقائق أو التعتيم عليها اما تواطؤاً واما تجاهلاً واما خوفاً من اثارة غضب "الأشقّاء" الذين كانوا يمسكون بكل مفاصل الحياة اللبنانيّة متجنّبين اختراق الكلام الخشبي عن وحدة المصير ووحدة المسار والعلاقات المميّزة، هذا الكلام الذي كان يصمّ آذان اللّبنانيين طيلة ثلاثين عاماً.

في 13 شباط 2005 أعلن النائب مروان فارس رئيس اللجنة النيابية لحقوق الانسان "أنّ الخدمات التي قدمتها سوريا للبنان هي أهمّ بكثير من بضعة معتقلين في سجونها". مع العلم أنّ اللّجنة النّيابية لحقوق الانسان من أولى مهماتها تبنّي قضية أيّ مواطن تنتهك حقوقه في الداخل أو الخارج، وبما تملكه من موقع دستوري كان عليها تعبئة الرّاي العام العالمي حول أي انتهاك حتى من قبل السلطات اللبنانية نفسها.

ومن المفارقات العجيبة كان الادّعاء الكاذب من العديد من المسؤولين في الدولة اللبنانية بعدم وجود معتقلين في سوريا، في الوقت الذي كانت تطلق فيه السلطات السورية دفعات من المعتقلين في سجونها عقب هذه التصريحات.

هذا التّناقض ظهر جليّاً في تصريح نائب رئيس مجلس النواب اللبناني ايلي الفرزلي في شباط 1998 عبر اذاعة صوت لبنان: "انّ المعتقلين في السجون السورية لا يتعدّون عدد أصابع اليد". وبعد أسبوعين تمّ الافراج عن 121 معتقلاً.

قد يكون من الجائز أنّ الدولة اللبنانية لا تملك أيّة معلومات عن وجود معتقلين في سوريا، لأنّ السوريين عادةً لا يبلّغون السلطات اللبنانية والقضاء اللبناني بذلك، بل يتمّ خطف المواطنين اللبنانيين في عمليات مخابراتية سرّية أو علنيّة عقب كل تظاهرة أو احتجاج.

ومن المفارقات العجيبة أيضاً أنّ الحكومة اللبنانية بعدما أقفلت هذا الملف عام 1998 عادت وشكّلت لجنة حكومية رسميّة برئاسة وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية فؤاد السّعد وعضوية المديرين العامين للأمن العام جميل السيّد وأمن الدولة ادوار منصور وقوى الأمن الداخلي مروان زين ومخابرات الجيش ريمون عازار والمدعي العام التمييزي عدنان عضّوم وممثل لجنة حقوق الانسان في نقابة المحامين عبد السلام شعيب.

فجاءت هذه التركيبة لتزيد من ارباك ذوي المعتقلين والرأي العام اللبناني، اذ حين أعلن عدنان عضوم في مؤتمره الصحافي عام 2000 اقفال الملف عقب الافراج عن 54 معتقلاً، وبعدما أكّد ريمون عازار للبطريرك صفير في الصرح البطريركي في بكركي اقفال هذا الملف، فوجىء الجميع بتصريح رئيس اللجنة الوزير فؤاد السّعد الذي أعلن فيه وجود لبنانيين ما زالوا قيد الاعتقال في سوريا حسب أدلّة ومعلومات اللجنة الّتي شكّلها مجلس الوزراء.

وما يثير الغضب والاستهجان في الحديث عن هذا الملف هو وقوع هذا العبء الثقيل بكامله على عاتق ذوي المعتقلين وبعض المنظمات غير الحكومية اذ بات عليهم دحض المزاعم بعدم وجود معتقلين في سوريا باستمرار، وغالباً ما كانت تواجه اثباتات الأهالي بانكار أو تشكيك من الجهات الرسمية اللبنانية والسورية. وغالباً ما كانت هذه الاثباتات تستند الى معلومات دقيقة أو شهادات من معتقلين سابقين أو رسائل مهرّبة من المعتقلين أنفسهم أو أذونات زيارات تمكّن الأهالي من الحصول عليها بعد عمليّات رشاوى كلّفتهم غالياً. وفي هذا الاطار أعلن الصحافي المعارض السوري نزار نيّوف في 11 تموزعام 2001 خلال مؤتمر صحفي عقده في باريس مع منظّمة "مراسلون بلا حدود"، وبعيد الافراج عنه، انّ ما صرّح به الرئيس الأسد عن عدم وجود لبنانيين معتقلين في سوريا غير دقيق مؤكّداً وجود مئات المخطوفين المعتقلين في سوريا. وقد سلّم نيّوف البطريرك صفير لائحة بأسماء المعتقلين ممن التقاهم بين 1992 و 2001. ولعلّ الدليل القاطع على مثل هذه الارتكابات هو شهادة والدة الضابط اللبناني كيتل حايك الذي اعتقل اثر حوادث تشرين الأوّل 1990 حين طالبت أثناء محاكمته الغيابية في بيروت عام 1996 باحضار ابنها الى لبنان ومحاكمته وجاهياً، وقد ابرزت اذناً يسمح لها بزيارة ابنها في سوريا ، فاعتبر القاضي أنّ الاثبات غير كاف وان هذا الاذن لا يشكّل دليلاً كافياً. وعندما أفرجت السلطات السورية عن 121 معتقلاً لبنانياً بعد سنتين من هذه الواقعة كان كيتل حايك في عدادهم، والمفارقة أيضاً أنّه تمّت اعادة محاكمته من جديد في لبنان حيث جرت تبرئته من كل التهم الموجهة اليه وهو كان قد أصيب خلال اعتقاله بمرض السلّ.

وفي سياق هذا المسلسل الطويل من التناقض لا بدّ من تذكّر ما حصل عام 1996 عندما وجّهت منظّمة "هيومن رايتس ووتش" رسالة الى الرئيس الفرنسي جاك شيراك باعتباره كان صديقاً للرّئيس الشهيد رفيق الحريري طالبة منه التدخل لاثارة موضوع المعتقلين في السجون السورية. وبعد شهر سجّل أول اعتراف رسمي لمسؤول لبناني رفيع المستوى هو رئيس الجمهورية الياس الهراوي الذي أعلن عن وجود 210 من المعتقلين اللبنانيين في سوريا بينهم "مئتا مسلم وعشرة مسيحيين". فأعاد هذا الاقرار بصيص الأمل الى الأهالي بغية فتح هذا الملف من جديد ورفعه الى الهيئات الدولية المعنية وفي مقدمتها الأمم المتّحدة والبرلمنات الأوروبي .

وفي فترة لاحقة صدر قرار عن الرئيس السوري حافظ الأسد في آذار 1998 يقضي باطلاق 130 معتقلاً لبنانياً والاحتفاظ بـ25 آخرين أدينوا بتهمة التجسس لمصلحة اسرائيل من دون ذكر أي اسم منهم، الأمر الذي شكّل صدمة جديدة للأهالي الذين كانوا يتوسّلون أيّة معلومة بالتنقّل من مكان الى آخر أو عبر التوجّه الى الحدود اللبنانية – السورية ولكن من دون جدوى.

فهذا الجرح المفتوح باستمرار والذي ينكأ بين فترة وأخرى فتح الباب أمام أسئلة كثيرة: فالمعتقلون ال210 الذين اعترف بوجودهم الرئيس الهراوي، لم يعترف النظام السوري الاّ بـ130 منهم فأين ال80 الباقون؟

وتوالت الصدمات حين أفرج عن 121 معتقلاًً! فأين التّسعة الباقون؟ ومن هم؟ وما مصير الـ25 المتّهمين بالتجسّس لحساب اسرائيل؟ انها أسئلة تؤرّق الزوجات والأمهات الثّكالى اللّواتي لم يثر غضبهنّ وآلامهنّ أي عطف رسمي. وبعد أسبوع شكرت "سوليدا" حركة "دعم اللبنانيين الموقوفين اعتباطيّاً في السجون السورية" من باريس السلطات السورية ناشرة أسماء 51 شخصاً اضافياً ما زالوا رهن الاعتقال.

وفي ظلّ هذا الواقع المرير كانت عمليّات خطف المواطنين من بيوتهم ونقلهم الى السجون السورية ما زالت مستمرة وهذا ما وثّقته منظّمة "مراقبة حقوق الانسان الأميركيّة" بين 1995 و 1997 في ظلّ استمرار استكبار الدولة اللبنانيّة ونفيها الدائم وجود معتقلين في سوريا. ثمّ جاءت الصفعة العنيفة حين شكّلت حكومة الرئيس سليم الحصّ لجنة تقصّي حقائق برئاسة العميد سليم أبو اسماعيل عام 2000 وأصدرت قانونا ً يقضي بتوفية كل شخص فقد أثره منذ أربع سنوات وذلك ليتمكّن أهله من الافادة من تعويضاته. رفض الأهالي حينذاك التوقيع على المستندات، فعمدت السلطات الى مراقبة هواتفهم ومنعهم من التظاهر والاحتجاح كما استدعت بعضهم الى التحقيق من دون أي اعتبار لمآسيهم ومعاناتهم، كما حصل مع والدة المعتقل ناجي حرب عندما طلب منها التوقيع على وثيقة وفاته قبل أن يطلق سراحه في كانون الثاني عام 2000 أي بعد شهرين من مطالبتها بالتوقيع على وثيقة الوفاة.

وطوال تلك المدة كانت السّلطات اللبنانية تولي كامل الاهتمام بقضيّة الأسرى في السّجون والمعتقلات الاسرائيلية التي أنشأت بعضها على الأراضي اللبنانية المحتلّة. وكان الأهالي يتساءلون باستمرار عن سبب تقاعس هذه السلطات عن المطالبة باسترداد مواطنيها من سوريا في حين أنّ الحكومة اللبنانية لم توفّر أية مناسبة محليّة اقليميّة أو دوليّة الاّ وأثارت موضوع الأسرى في اسرائيل.

بعد الانسحاب السوري من لبنان:

في الفترة التي تلت انسحاب الجيش السوري من لبنان والتفلّت الجزئي للأجهزة والمؤسسات من قبضة الوصاية بسبب استمرار بعض النفوذ السوري على بعض مفاصل المؤسسات عبر التحالف مع شرائح من اللبنانيين، لم تسجّل أي خطوة عمليّة وفعّالة وبصورة رسمية لمعرفة مصير المفقودين والمعتقلين، في حين أنّ الحكومة السابقة كانت قد أفردت بنداًً أساسياً في بيانها الوزاري للمطالبة باسترجاع الأسرى في السجون الاسرائيلية، كما انّ هذه القضية تصدّرت النقاط السبع التي أقرّتها الحكومة اللبنانية اثر العدوان الاسرائيلي على لبنان صيف 2006 . كما أنّ هذا الأمر كان مطلباً أساسياً للدولة اللبنانية عبّر عنه الرئيس فؤاد السنيورة في اختتام اجتماع وزراء الخارجيّة العرب في 7 آب 2006 حين حمّلت الحكومة اللبنانية هذا المطلب الى الوفد العربي الذي ذهب الى نيويورك لتصويب مشروع قرار مجلس الأمن الذي صدر عقب عدوان تموز. كذلك وبحسب البيان الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 1 تموز 2008 على اثر قرار الحكومة الاسرائيلية باطلاق الأسرى اللبنانيين لديها اذ جاء فيه:
"مطلب اطلاق سراح الأسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية كان مطلباً ثابتاً ودائماً للحكومة اللبنانية في شتّى المحافل والمراحل على مدى السنوات الماضية حين طالب فيها كل المسؤولين والموفدين الدوليين وفي كل المؤتمرات والبيانات باطلاق القنطار ورفاقه بعد أن كانت أعلنت أكثر من مرة ضرورة اتّباع أسلوب التفاوض عن طريق طرف ثالث للوصول الى اتمام عملية التبادل". كما أنّ الرئيس رفيق الحريري كان قد تدخّل مراراً وتكراراً لدى الفرنسيين عبر الرئيس شيراك للمطالبة بالافراج عن أسرى السجون الاسرائيلية وهذا ما ذكره أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير في تموز 2008.

فإلى متى ترقّى قضيّة المعتقلين في السجون السورية على الصعيد الوطني الى مستوى قضبة الأسرى في السجون الاسرائيلية، ليس من باب المقارنة بين "شقيق" و"عدوّ" وانما من باب الحق الانساني وحقّ المواطنية؟

واذا كانت القطيعة الحالية بين الحكومة اللبنانية والحكومة السورية تعفي الدولة اللبنانية من حلّ هذه القضية على مستوى الدولتين، فإنها لا تحول دون طرحها رسميا في المحافل الدولية لا سيّما في ظلّ تحرير جميع الأسرى في السجون الاسرائيلية وفي ظلّ التفاوض الحاصل بين سوريا واسرائيل وفي ظلّ ما يحكى عن علاقات دبلوماسيّة بين لبنان وسوريا، وفي ظلّ ما يحكى عن فتح صفحة جديدة في هذه العلاقات.

فالزيارات التي كان يقوم بها بعض النواب والمسؤولين الى أمّهات المعتقلين أمام مبنى الإسكوا، وأخذ الصور الى جانبهنّ والتصريحات لا تحل هذه القضية. ٳضافة الى بعض الفعّالين ممن يفاخرون بصداقاتهم مع سوريا يرتّب عليهم مسؤولية وطنية للتدخّل للمشاركة في حلّ هذه المسألة، كما أن البعض ممن لهم علاقة حسنة ومستجدة مع النظام السوري عليهم أن يوظفوا هذه العلاقة في طي هذا الملف لا في مصالح سياسية وانتخابية ومنافع آنيّة ضيّقة، خصوصا ً أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم أشدّ المدافعين عن هذه القضية.

انتهاكات سافرة

ٳنّ اسرائيل بحسب الدستور اللبناني وباعتراف جميع الأفرقاء اللبنانيين هي عدو، وبالتالي فإنّ انتهاكاتها المستمرة للقوانين والأعراف هي متوقّعة وغير مفاجئة كونها في حالة عداء مستمرة مع الدولة اللبنانيّة. أما الدولة المعتبرة "شقيقة" وتربطها بلبنان "علاقات مميزة"، فانتهاكاتها تصنّف سافرة بحسب القانون الدولي حيث لا يسمح الإتفاق القضائي المعقود بين الحكومتين عام 1951 للقوات السورية باعتقال لبنانيين كما لا يسمح بنقل لبناني من أرضه الى أرض أخرى بحسب معاهدة جنيف الرابعة الموقعة عام 1949، لأنه يشكّل خرقا ً فاضحاً للقانون الدولي. وينصّ الاتّفاق القضائي اللبناني – السوري على أنّ النيابة العامة السورية تستطيع طلب لبناني ارتكب جرماًً على أراضيها ويمكن للدولة اللبنانية رفض تسليمه ٳذا درست الملف وكان لها الحق في معاقبته في لبنان.

المفارقات العجيبة في ملف المعتقلين والأسرى في السجون السورية والاسرائيلية

1- من المتّفق عليه أنّ السجن هو سجن، والتعذيب هو تعذيب، والأسر هو أسر سواء في السجون "الصديقة" أو السجون "العدوّة". ولسنا هنا في مجال المفاضلة بين سجنٍ وآخر واستبدادٍ وآخر، وانّما نطرح السؤال الآتي: كيف يتساوى الشقيق والعدو في القهر والقمع؟ وكيف ترتكب الفظائع باسم الأخوّة والصداقة؟

2- كيف يستطيع أهل الأسرى في السجون الاسرائيلية تسقّط أخبارهم عبر الصّليب الأحم؟ وكيف يستطيع هؤلاء بأن يبعثوا بالرسائل خارج القضبان؟ وكيف تجري محاكمتهم فيظهرون على شاشات التلفزة بينما تنقطع أخبار من هم في السجون الشقيقة فلا يعرف ٳن كانوا أحياء أو أمواتاً؟ أضف الى ذلك معاناة أهلهم وحيرتهم الأبدية في البحث عنهم؟

3- نلاحظ وبالرغم من طبيعة الكيان الصهيوني العدوانية كيف أن أسر مواطن أو جندي اسرائيلي يتحوّل قضية محلية وعالمية وكيف تتمّ صفقات تبادل الأسرى لاسترجاع مفقود أو جثة، وكيف أنّ الطيار رون أراد المفقود منذ الثمانينات تحوّل قضية وطنية تهمّ الاسرائيليين على اختلاف توجّهاتهم ومن الثوابت في أيّة مفاوضات لتبادل الأسرى كما نذكر في هذا السياق قصّة الأمّهات الأربع اللّواتي حرّكن الرّأي العام الاسرائيلي.

فمتى تتحوّل قضيّة المعتقلين في السجون السورية قضية وطنية لبنانيّة عابرة للطّوائف والمذاهب والأحزاب والانقسامات السياسية؟ وهل كتب على اللبناني أن يبقى متروكاً هائما ً في الداخل والخارج؟

4- باتت استعادة ثقة ذوي المعتقلين وبالتالي المواطن اللبناني العادي بالمؤسسات متوقفة الى حدّ كبير على طريقة التعامل مع هذا الملف.

5- باتت الحاجة ملحّة الى اعادة تظهير المصطلحات السياسية والوطنية من جديد. فالكرامة والسيادة والاستقلال والصداقة والأخوّة والعدالة… كلها مصطلحات يجب ألاّ تطرح في سوق المزايدات والمزاجيات السياسية ويجب ألاّ يستخدمها الاّ المؤمنون بها والعاملون في سبيلها.

كما أن مصطلحات العمالة والخيانة والارهاب بحاجة الى اعادة تحديد وعدم الاستخدام في سياق الاختلاف في الرأي أو في البحث عن حلّ لأيّة أزمة وطنية، أو في التشاطر في سيق التسابق على المواقع.

أبناء ست وأبناء جارية

لم تكتف السلطات اللبنانية بعدم التحرك للمطالبة بالمعتقلين اللبنانيين في سوريا وانتظار مزاجية النظام للإفراج عنهم، في وقت كانت تتّبع فيه أخبار الأسرى في اسرائيل بكثير من الاهتمام. وهنا لا بدّ لنا من القيام بمقارنة بسيطة عن كيفية معاملة المحررين من الجانبين:

– للتاريخ: هكذا تم استقبال الاسرى العائدين من اسرائيل: من أرشيف "النهار" الصادرة صباح 30 كانون الثاني 2004: "دعا "حزب الله" الى المشاركة في استقبال الأسرى المحررين اليوم، ورفات المقاومين غدا، احياء للحدث الكبير، واحتفاء بالنصر الجديد" 

– تصل الطائرة الالمانية وعلى متنها الاسرى المحررون، الخامسة مساء، الى مطار بيروت. يقام حفل استقبال رسميفي المطار يحضره الرّوساء الثلاثة و مسؤولون والنواب وقيادة "حزب الله" وعائلات الأسرى. 

– تتولى الأجهزة المعنية اللبنانية الترتيبات الكاملة لحفل الاستقبال في المطار.

– تتولّى فرقة الموسيقى في الجيش العزف خلال مراسم الاستقبال.

– يدخل الأسرى المحررون قاعة مخصصة في صالون الشرف للقاء عائلاتهم.

– ينتقل المحررون غير البنانيون الى أحد الفنادق للاستراحة.

– ينتقل المحررون اللبنانيون بواسطة وسائل نقل مخصصة الى مجمع سيد الشهداء في حارة حريك، حيث يقيم الحزب استقبالا شعبيا عاما لهم تحضره الفاعليات السياسية والحزبية والاجتماعية والجمهور. "أما من خرجوا من سوريا فتمّ نقلهم في باصات معصوبي الأعين، ومنع عليهم رفع رؤوسهم، ووضعت الأصفاد في أيديهم، وأسيئت معاملتهم الى أقصى الحدود وهذا ما حصل مع اللبنانيين ال121 المطلق سراحهم في شباط 1998 وهذا ما أفاد به المعتقلون السابقون الذين كانوا في عداد هؤلاء وهم: ريمون سويدان، علي أبو الّدهن وماجد كرباج. وقد أفادوا أنّ بعد عودتهم الى لبنان تمّ تسليمهم الى السلطات اللبنانية حيث تمّت اعادة محاكمتهم، ومنهم من برّىء بعد أن كان الأوان قد فات بعد الذي تلقّوه في سوريا من تعذيب وتنكيل. ومنهم من تمّ تجريده من حقوقه السياسية، وأجبروا على تقديم تقارير أسبوعية لمخابرات الجيش اللبناني عن تحرّكاتهم ولقاءاتهم والأماكن الّتي يقصدونها. وكأنّ ما كانوا قد تعرّضوا له في سوريا لم يكن كافيا.

أما الأسرى المطلق سراحهم من السجون الاسرائيلية، اضافةً الى استقبالهم استقبال الأبطال من قبل الدولة – وهذا حقّ لهم – فكان يتم ّ منحهم تعويضات مادية.

وفي هذا الإطار أعدت كتلة نواب "القوات اللبنانية" اقتراح قانون ستعرضه على مجلس النواب مباشرة بعد مباشرة عمله التشريعي بعد منح الثقة للحكومة الجديدة. وينص هذا القانون على المساواة بين المعتقلين المفرج عنهم من السجون السورية والمفرج عنهم من السجون الاسرائيلية.

وفي الختام، ٳنّ هذا البحث لا يقلّل اطلاقاً من أهمية مناسبة تحرير الأسرى من السجون الاسرائيلية بوصفها حدثاً وطنيّاً كبيراً، ولكن يجب أن يستتبع من قبل الدولة ومن قبل أصدقاء وحلفاء سوريا في لبنان بخطوة جريئة ووطنية مسؤولة لاقفال ملف المعتقلين في السجون السورية، اذ ذاك تصبح الحرية أفقاً جامعاً للبنانيين، لأنّ الحرّية كلّ لا يتجزّأ ولا تخضع لأيّة مقاربة استنسابية مبتورة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل