#adsense

الموت يجمع اللبنانيين… لا الحياة

حجم الخط

الموت يجمع اللبنانيين… لا الحياة

عندما التحق سمير القنطار بمنظمة فدائية فلسطينية كان قسم مهم من اللبنانيين يعتبر الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان خطراً عليه. اولاً، لانه يقيم دولة داخل الدولة اللبنانية. وثانياً، لأنه يساعد قسماً آخر مهما على مواجهتهم بالقوة واستعادة حقوق لهم ومشاركة في حكم البلاد.

وعندما نفذ القنطار برفقة ثلاثة رفاق له عملية فدائية داخل فلسطين المحتلة (اسرائيل) بعد اربع سنوات من اندلاع الحروب في لبنان اعتبر القسم الاول نفسه من اللبنانيين انه فلسطيني ينفذ امر جهة فلسطينية هدفها استعادة فلسطين ولكن بهوية لبنانية، في حين اعتبره القسم الآخر منهم بطلاً نظرا الى الشراكة المصلحية والقومية التي كانت بينهم وبين الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان. وبقيت النظرة بين اللبنانيين الى سمير القنطار متناقضة حتى بعد الاجتياح الاسرائيلي الواسع للبنان في حزيران 1982 وكذلك الى كل الذين تابعوا مقاومة اسرائيل بعد اخراجها منظمة التحرير الفلسطينية وغالبية مقاتليها منه. وكان احد ابرز اسباب هذا التناقض ارتباط الوضع الداخلي بل الشراكة اللبنانية – اللبنانية وتوازناتها بالوضع الاقليمي واقتناع قسم من اللبنانيين بان انهزام معارضي اسرائيل من مواطنيهم سيضعفهم ويقلّص قدرتهم على تعديل التوازنات وبأن انتصارهم سيمكّنهم من فرض شروطهم.

هذه النظرة المتناقضة الى سمير القنطار، وهو للمناسبة ليس فقط الشخص الذي نفذ عملية جريئة ضد اسرائيل بل ايضاً الشخص الذي يرمز الى كل المقاومين اللبنانيين لاسرائيل على تنوعهم وتناقضهم – هذه النظرة تغيرت رسمياً عام 1989 بعد اتفاق الطائف الذي انهى الحرب. "اذ آمن" اللبنانيون كلهم بعروبة وطنهم وبأن اسرائيل عدو وبأن مقاومتها واجب لاستعادة الاراضي اللبنانية التي تحتل. وتكرّس تغيير النظرة المذكورة بعد عدواني اسرائيل عامي 1993 و1996. لكن النظرة الشعبية اذا جاز التعبير حيال المقاومة لاسرائيل والتي صارت لبنانية بقيت منقسمة ولكن هذه المرة بين مطالب بالتحرير بالجهود الديبلوماسية ومؤمن بأن التحرير لا ينجزه الا القتال والمقاومة. وكالعادة ظهر وراء هذا الانقسام شبح الخلاف على السلطة في الداخل وعلى الاحجام والتوازنات وخصوصاً بعدما بدا واضحاً ان المقاومة ذات الهوية الداخلية الواحدة صارت "دولة" وقد تسيطر على البلاد بعد انجاز التحرير او حتى قبله.

ولم يحجب تحرير المقاومة معظم الاراضي المحتلة عام 2000 الانقسام المذكور ولم يلغه رغم الاجماع على الاشادة بالنصر، وعلى العكس من ذلك فانه عمّقه. ثم اتت حرب 2006 لتظهر عمق الانقسام حول اسباب الحرب ودوافعها وهل كانت استدراجاً من المقاومة لاسرائيل ام تخطيطاً للاخيرة استغل عملية عادية للمقاومة. ولتظهر ايضاً استمرار شكوك البعض في توظيف المقاومة لكل عمل تقوم به بغية السيطرة على البلاد. وهذه المرة اتخذ الانقسام اشكالاً عملانية على الارض كادت ان تهدد الجميع بالوقوع في المحظور. الا ان ذلك كله لم يمنع امس الشعوب اللبنانية من الاحتفال الجماعي بعودة آخر الاسرى اللبنانيين ورفات 190 شهيداً عربياً ولبنانياً من اسرائيل تماماً مثلما فعلوا بعد التحرير الكبير عام 2000 .
لماذا هذا الكلام الآن؟

انه فقط للاشارة الى ان الموت وحده هو الذي يجمع اللبنانيين، سواء كان استشهادا في مواجهة عدو معروف مثل اسرائيل، أو استشهاداً في مواجهة "اشباح". والى ان الحياة تفرّقهم في حين ان المطلوب ان تجمعهم اولا. ولعل جردة عامة سريعة للعائدين من اسرى وشهداء تؤكد هذه الحقيقة المؤلمة. فمن الاسرى، كما قلنا، من اعتبروا فلسطينيين يوم كان هؤلاء "اعداء" لبنان في نظر لبنانيين. ومنهم من اعتبروا شهداء للبنان ولكن ايضاً لقضية اخرى اقليمية ولقضية اخرى محلية. أما من الشهداء فمنهم من اعتبر ايضاً فلسطينياً عدواً. ومنهم من اعتبرت الجهات التي يمثلها منافساً خطراً على الساحة اللبنانية فاقصيت بوسائل عدة منها الترهيب. ومنهم من لم تشفع اسبقيتهم في المقاومة ولا "اخوتهم" للمقاومين في العقدين الاخيرين في بقائهم مقاومين بالسلاح فاستمروا مقاومين بـ"السياسة".

والكلام نفسه هو ايضاً للاشارة الى السطحية التي يعالج بها اللبنانيون امورهم وينظرون بها الى تاريخهم. فالمسيحيون والمسلمون سموا قتلاهم بعد انتهاء حروبهم شهداء. والمسيحيون عندما تقاتلوا سموا قتلاهم شهداء. وكذلك فعل الشيعة عندما تقاتلوا هم ايضا. وعندما تقاتل الشيعة والفلسطينيون سموا قتلاهم شهداء، والامر نفسه حدث عندما تواجه السنة والشيعة. وهذا امر يحيّر اللبنانيين. فالجميع صاروا شهداء الجميع. لكن الخلافات لا تزال تعصف بهم. ولا يزال منسوب نهر الشهادة مرشحاً للارتفاع. لذلك قد يكون من الافضل للبنانيين ان يجتمعوا حول الحياة اولا لا الموت. ولن يتحقق اجتماعهم هذا الا اذا كتبوا تاريخهم على حقيقته. فحتى اليوم لكل من "شعوبنا" تاريخ، ولكن من قادتنا تاريخ. ولكن ليس لوطننا تاريخ، ولن يكون له مستقبل اذا لم يكن له شهداؤه وليس شهداء الطوائف والمذاهب والشعوب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل