التبادل الديبلوماسي مع سوريا قبل 8 أيلول و"الترسيم" رهن أجندة مفاوضاتها
البيان الوزاري يربط السلاح بالحوار
لا يمكن قراءة عملية تبادل الأسرى والجثامين بين "حزب الله" وإسرائيل، على أنها إقفال لهذا الملف فحسب، فالمشهد الوطني الجامع الذي رافق استقبال المحررين العائدين الى الوطن أظهر أن ما حصل إنما هو مؤشّر الى انعكاسات سياسية ستواكب المرحلة الجديدة التي أرساها اتفاق الدوحة، خصوصاً بعد استكمال تنفيذ بنده الثاني مع الانطلاقة الرسمية لحكومة العهد الأولى، معطوفاً على مسار التهدئة الذي يفرض نفسه تباعاً على وقع دفق التطورات الإقليمية المتسارعة من سوريا إلى العراق فالأراضي الفلسطينية، أو حتى على صعيد المسار الإيراني ـ الاميركي.
ذلك أن مقاربة سريعة لمشهد عودة خمسة أسرى واستعادة رفات وجثامين عدد كبير من الشهداء اللبنانيين والفلسطينيين والعرب، الى المعاني النفسية والمعنوية التي تركها لدى عائلاتهم وجمهور "حزب الله"، تؤكد أن الحزب إكتسب مزيداً من القوة من خلال التأكيد على صواب ما يسميه "منطق المقاومة"، أي مبدأ استخدام السلاح في مواجهة إسرائيل التي أكدت بدورها هذا المنطق من خلال قبولها عملية التبادل.
فـ"حزب الله"، بحسب مصادر سياسية متابعة، إذ فرض آلية التبادل التي كان حددها في أعقاب أسر الجنديين الإسرائيليين في 12 تموز 2006، إنما يبعث برسالة مفادها أن هذه العملية جرت بشروطه من دون أن تحصل إسرائيل على شيء، لكن الأهم أن الإسرائيليين أنفسهم ـ وبانتظار أن تتكشف تفاصيل أكثر عن تفاصيل وملابسات عملية التفاوض وإنجاز "الصفقة" ـ أكدوا أحقية منطق "حزب الله" القائم على أنه لا يمكن تحقيق أي إنجاز من دون العمل المسلّح، ما سينعكس مزيداً من تمسكه بسلاحه، والحال أيضاً أن الحزب لا يزال يمسك بأوراق عدة لتبرير هذا التمسك كاستمرار الاحتلال في مزارع شبعا والخروق الإسرائيلية المستمرة للأجواء اللبنانية، وبرأي هذه المصادر فإن كل هذه المعطيات لا تزيد من تمسك الحزب بسلاحه فحسب بل من تمسك سوريا بهذه الورقة التي أثبتت الى الآن فعاليتها وجدواها.
وفي انتظار أن يفرض المجتمع الدولي "منطقه" في ما يخص استعادة مزارع شبعا الى السيادة اللبنانية بالآليات الديبلوماسية وفق القرار 1701، فإن مسألة السلاح ستفرض نفسها حكماً كأولوية إن في البيان الوزاري أو على جدول أعمال مؤتمر الحوار الوطني الذي سيرعاه رئيس الجمهورية ميشال سليمان تنفيذاً للبند الثالث من اتفاق الدوحة المتعلّق بسلاح التنظيمات.
فالبيان الوزاري سيشكل أول اختبار لنوايا المعارضة وقد باتت تملك الثلث المعطّل، بحسب هذه المصادر، التي ترى أن البيان سيعطي مؤشرات دالّة الى طبيعة المرحلة المقبلة وطريقة إدارة شؤون البلاد، خصوصاً في مقاربته المواضيع الإشكالية كالسلاح وآلية استعادة المزارع والعلاقات اللبنانية ـ السورية، بما هي العناوين الثلاثة الأكثر إلحاحاً.
أولوية الشأن الحياتي
من جهة ثانية، تعتبر هذه المصادر انه لا يستقيم القول ان مهمة هذه الحكومة محصورة بالانتخابات النيابية المقبلة، إصلاحات وقانوناً وإعداداً وإشرافاً، بعد نحو عشرة أشهر هي العمر الفعلي لها، بل إن ثمة ملفات أساسية سيكون مطلوباً منها متابعتها وتقديم حلول لها. وتحصر المصادر هذه الملفات بشقين: الشق الأول يتعلق بالتعيينات الإدارية والديبلوماسية والأمنية والعسكرية والاتفاق على قائد الجيش. أما الشق الثاني، فيتعلق بتقديم معالجات جدية وملموسة للأزمة الضاغطة المتصلة بالشأن الحياتي والمعيشي للمواطنين، بما فيها الارتفاع المضطرد لأسعار المواد الغذائية الأساسية وأسعار البترول والانعكاسات المباشرة لذلك على حياة الشريحة الأكبر من اللبنانيين، خصوصاً مع مؤشرات عالمية سلبية تفيد بأن هذا الإرتفاع سيتواصل حتى نهاية العام.
وترى هذه المصادر في هاتين المهمتين "أولوية حقيقية يجب الانصراف إليها لإطلاق عجلة العمل في الإدارات العامة وتمكين الجيش وقوى الأمن من إعادة الاستقرار الذي لا يزال هشاً، فمن شأن الاستقرار السياسي والأمني أن يساهم في إيجاد استقرار اقتصادي". وتتابع المصادر انه "إذا كانت مسائل السلاح والعلاقات بسوريا مثار جدل سياسي داخلي فإن الملفات المتبقية هي محل اتفاق، وبالتالي يجب إعطاؤها أولوية المتابعة بالتوازي مع عملية الحوار الوطني حول المسائل الأخرى".
السلاح والمرونة اللفظية
لكن هذه المصادر تستدرك بالقول "ان التطورات التي شهدها لبنان أخيراً والاستحقاقات التي تنتظره تفرض تعاملاً دقيقاً مع موضوع المقاومة، أو سلاحها بوجه أدق، وقد بيّنت أحداث مطلع شهر أيار الفائت أن هذا السلاح، مفهوماً ووظيفة، بات واسعاً وشاملاً لملحقات عدة وغير مقتصر على المدلول التقليدي لـ"سلاح المقاومة". وعليه، فهل ستُعطى المقاومة في البيان الوزاري الهامش الذي كانت منحتها إياه الحكومة السابقة، أم أن الاعتبارات التي أوجبت إيراد تلك الفقرة المرنة في بيان حكومة "الإصلاح والنهوض" في العام 2005 حول "الحفاظ على مقاومتنا الباسلة (والتي هي) تعبير صادق وطبيعي عن الحق الوطني للشعب اللبناني في تحرير أرضه"، قد تغيّرت مع ما شهدته البلاد خلال الأعوام الثلاثة الماضية ومن بينها صدور القرار 1701 المشدّد على وجوب حصر السلاح بالدولة ومؤسساتها الشرعية، وتالياً فإن لـ"حكومة كل لبنان" في العام 2008 حسابات أخرى؟.
هنا، تؤكد المصادر السياسية ما بات معروفاً، وهو أن البيان الوزاري سيرتكز بشكل أساسي على مضامين خطاب القسم وروحية اتفاق الدوحة وثوابت اتفاق الطائف مع التأكيد على احترام القرارات الدولية ذات الصلة، وسيحيل على هيئة الحوار الوطني بحث القضايا الإشكالية، بما فيها الاستراتيجية الدفاعية. وتذكّر بأنه سبق للرئيس سليمان أن أعلن أن "المقاومة الوطنية تشكل عنصر قوة للبنان يجب أن نستفيد منه في رسم سياسة دفاعية صحيحة"، وتحدث عن "مزارع شبعا وضرورة استرجاعها بالديبلوماسية وإلا فبالقوة من دون إغفال استكمال الحوار الوطني ببنوده التي باتت معروفة"، كما أنه شدد على ضرورة التبادل الديبلوماسي مع سوريا.
سفارات قبل 8 أيلول
أما في موضوع العلاقات اللبنانية ـ السورية، فتشدد المصادر على ضرورة انتظار نتائج زيارة الرئيس سليمان لدمشق بعد أيام، معربة عن اعتقادها أن أبرز هذه النتائج ستكون إطلاق مسار تصحيح هذه العلاقات، وتقول إن "الجانب السوري سيكون حريصاً على بعث رسالة مفادها أنه ملتزم حيال الأسرة الدولية وباريس تحديداً إقامة العلاقات الديبلوماسية مع لبنان تنفيذاً لما تعهد به، من دون أن يعني ذلك انقلاباً كلياً في الموقف السوري تجاه ملفات أخرى في لبنان كترسيم الحدود والمحكمة الدولية ووقف تهريب السلاح وغيرها".
أما مسألة التبادل الديبلوماسي بين البلدين، فإذ ترى هذه المصادر أن ذلك "خطوة ضرورية تعكس رغبة في علاقات ندية بين البلدين على قاعدة احترام السيادة الوطنية لكل منهما"، وتشير الى أنه سبق للرئيس سليمان أن ضمّن هذا الموضوع خطاب القسم، تنبه على أن الجانب السوري ربط هذه العلاقات بما سماه "خطوات قانونية" تسبق ذلك، كبحث مستقبل المجلس الأعلى السوري ـ اللبناني وأمانته العامة ومعاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق والاتفاقات المتفرعة عنها، بحسب كلام وزير خارجية سوريا وليد المعلم، وتحذر من "ان تلجأ سوريا الى ممارسة لعبتها التقليدية، إن لناحية عامل الوقت أو الإغراق في التفصيلات الشكلية أو ربطه بعملية التفاوض مع إسرائيل"، مشيرة الى أنه "في حال صدقت نوايا دمشق في تنفيذ التزاماتها أمام الفرنسيين فإن بحث كل الخطوات المذكورة لا يتخطى الأيام المعدودة".
وتذكّر هذه المصادر بأن الفرنسيين ربطوا استكمال انفتاحهم على دمشق بتنفيذ هذه الأخيرة ما تعهدت به، معربة عن اعتقادها أن تاريخ 8 أيلول المقبل موعد زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الى دمشق هو السقف الزمني الأقصى لإنجاز مسألة التبادل الديبلوماسي، مشيرة الى أن الرئيس بشّار الأسد عندما ذكر العلاقات الديبلوماسية مع لبنان أمام الرئيس ساركوزي، أغفل الإشارة الى ترسيم الحدود، وراح يعدد الخطوات التي تنتظر لبنان تاركاً الحوار الى ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة، وترى في ذلك إشارة الى أن بحث مسألة السلاح معلّق الى حين تبيان مسارات التفاوض بين نظامه وإسرائيل.