يبقى أسير واحد!
شكّلت العودة المظفّرة للاسرى المحررين من سجون العدو الاسرائيلي، سواء كانوا احياء يرفعون رايات الانتصار ام شهداء تطلق رفاتهم الدروس في المنطقة كلها، عرسا وطنيا وقوميا بكل المقاييس.
إنه عرس شارك في وقائعه كل اللبنانيين الى جانب "حزب الله" الذي ضاعف انتصاره بالوصول الى انتزاع الاسرى من عسف اسرائيل. وهو عرس ترك بصمات ارتياح وفرح على المستوى العربي العام، ليس لأن دولة العدوان الغاصبة رضخت مرة جديدة لشروط المقاومة فحسب، بل لأن رجلا من الذين مضوا بعيدا في امتهان الحقوق الفلسطينية والعربية، هو شمعون بيريس، بدا غارقا في وحول العار الى اذنيه.
فلقد كان العار يقطر منه ومن الكيان الصهيوني، وهو يتحدث عن التوقيع "بيد مرتجفة" وعن "اسرائيل التي تذرف الدموع"، معتبرا ان الاحتفال بالانتصار وعودة الاسرى "معيب للبنان"، بينما العيب ينخر روح الدولة اليهودية التي طالما دفعت بالكثيرين الكثيرين من أبناء منطقتنا الى ذرف الدموع.
واذا كانت صحيفة "معاريف" قد تحدثت عن الاهانة التي الحقتها العملية باسرائيل وعن الحزن والعار اللذين احس بهما الاسرائيليون، فان ذلك يكفي رداً على بيريس واولمرت وغيرهما من الذين تجرعوا المرارة امام وقائع الاحتفالات عندنا بعودة الاسرى احياء وشهداء.
❒❒❒
واذا كان السيد حسن نصرالله قد تعمّد الاشارة الى "التوفيقات" التي تتمثل في ان تأخذ الحكومة الجديدة صورتها التذكارية وتكون مهمتها الاولى استقبال الاسرى في مطار بيروت، وذلك بهدف توسيع اطار الايجابيات يوم اول من امس، فإن ذلك دفع الكثيرين من اللبنانيين الى التفاؤل في ان يتم ايضا اطلاق "الاسير الاخير" من المعتقل المؤلم!
هذا الاسير هو الوفاق الحقيقي الراسخ والمتين بين اللبنانيين، وقد افتقدناه منذ زمن بعيد، وكان الحري بنا جميعا ان ندخل الى عالمه وقواعده والتزاماته الوطنية بعدما تحرر لبنان من الاحتلال الاسرائيلي ثم بعد خروج القوات السورية.
لكننا ذهبنا الى الانقسام والصراعات ووصلنا الى حد استعمال السلاح في الداخل، وهو ما دفع البلاد الى شفير الحروب الاهلية والمذهبية وخصوصا مع عصف الفتنة المذهبية التي ينفخ الاميركيون في نيرانها العراقية.
❒❒❒
لقد اختار الامين العام لـ"حزب الله" مناسبة عودة الاسرى لفتح ابواب واسعة امام السعي لاستعادة "آخر الاسرى"، اي الوفاق الوطني كما قلنا، عندما اكد ان "حكومة الوحدة الوطنية ليست للمكايدة ولا للغلبة ولا للتعطيل بل لنضع يداً في يد لبناء لبنان".
وعندما يبدي نصرالله الانفتاح على كل نقاش للاتفاق على استراتيجيا الدفاع الوطني، والاستعداد لمناقشة كل الملفات وايجاد الحلول لها ومطالبة الجميع بالمساهمة في الدفاع عن لبنان وحمايته، فإن ذلك يضع الحوار الوطني في رأس جدول اعمال العهد الذي يواصل الرئيس ميشال سليمان التذكير بأولوياته الوطنية كما وردت في خطاب القسم، وقد برز بعضها اول من امس في كلمته في استقبال الاسرى.
واذا كان رئيس الجمهورية قد حدد العناصر والمكونات التي سيأتي فيها البيان الوزاري وهي ستة، اي وثيقة الطائف وقرارات الشرعية الدولية وخصوصا القرار 1701 ومقررات هيئة الحوار الوطني ووزراء الخارجية العرب ثم مؤتمر الدوحة وخطاب القسم، فإن البيان الوزاري المذكور يفترض ان يشكل مدخلا لانطلاق الحوار حول استراتيجيا الدفاع.
هذه الاستراتيجيا، التي كان الحديث عنها والخلاف عليها، تبدو الآن بمثابة مظلة تحتاج الى تحديد عناصرها ومواصفاتها ومن الذي يتولى حملها الدولة ام المقاومة ومن الذي يقف تحتها واين وكيف.
❒❒❒
إن التأمل في الاجواء الآخذة في الانفتاح تساعد على القول إن ابواب السجن قد فتحت امام آخر الاسرى، لكن هذا "الاسير" لن يخرج ما لم تفتح امامه طريق التفاهم الاجماعي على جواب واحد نتفق عليه ردا على السؤال الأبدي:
أي لبنان نريد؟
هنا جوهر المشكلة وهنا عمق التحدي الذي نواجهه جميعاً.