سوريا حاجة لـ"المحور" المعادي لها؟
يبدو ان البعض في الادارة الاميركية بدأ يعتقد ان سوريا بشار الاسد قد تكون بدأت رحلة التغيير في سياساتها الخارجية وعادت عن رفضها الاصطفاف مع الولايات المتحدة رغم الصعوبات الكثيرة التي سببها لها ذلك. اما اسباب هذا الاعتقاد فيلخصها متابعون اميركيون للاوضاع في المنطقة باثنين. الأول، اقتناع البعض المشار اليه اعلاه بان العزلة القوية التي فرضتها غالبية الدول العربية بدأت تثمر. اي ان آثارها السلبية على الوضع الداخلي السوري السياسي بدأت تظهر وتتفاعل وتشكل تهديداً للنظام الحاكم في دمشق. كما ان آثارها السلبية على الوضع الاقتصادي لم يعد في الامكان اخفاؤها. واقتناع البعض نفسه بان الدول العربية "العازلة"، اذا جاز التعبير، وعدتها بتقديم الكثير من المساعدات المتنوعة لها بغية حل مشكلاتها المتنوعة. وكان لهذا الوعد تأثيره الكبير.
اما السبب الثاني، فهو الطريقة "الذكية"، في رأي البعض الاميركي اياه، التي قدمت بها اسرائيل طلباتها الى سوريا عبر الراعي التركي للمفاوضات غير المباشرة حتى الآن كما عبر عدد من الجهات الدولية والاقليمية. فاسرائيل هذه، رغم هزال حكومتها، لم تطلب من سوريا الانتقال من حال العلاقة الاستراتيجية مع الجمهورية الاسلامية الايرانية الى حال العداء السافر. لكنها شدّدت على ضرورة ان توقف سوريا امداد "حزب الله" بالسلاح الذي ترسله اليه ايران باعتبار انها احد ابرز طرق الامداد له. وشدّدت على ضرورة ان تضغط سوريا على الفصائل الفلسطينية الموجودة قياداتها في دمشق والعاملة فيها ومنها وذلك كي تتخلى عن التطرّف سواء في المواقف او في العنف الذي تمارس الامر الذي قد يسهّل امور التسوية النهائية على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي فضلاً عن المسارين الاقل صعوبة منه اي السوري – الاسرائيلي ثم اللبناني – الاسرائيلي.
هل اعتقاد هذا البعض في الادارة الاميركية في محله؟
قد تكون هذه الآراء متفائلة كثيراً وغير معبّرة بدقة عن الواقع في سوريا واسرائيل وأميركا ولا حتى عن الواقع العربي. على الاقل هذا ما يعتقده متابعون مزمنون لبنانيون وعرب للاوضاع في منطقة الشرق الاوسط وكذلك للاوضاع الدولية.
طبعاً لا يعني ذلك ان سوريا بشار الاسد لم تجرِ او ليست في صدد اجراء او على الاقل درس اجراء تغييرات معينة في سياسات لها ومواقف بغية التخفيف من صعوباتها الاقتصادية والسياسية، ومن الآثار السلبية لعلاقاتها المتردية مع العرب والمجتمع الدولي. لكنه يعني انها وبعد تقويمها لنتائج سياساتها منذ تولي بشار الاسد رئاستها قبل نحو ثماني سنوات وكذلك لنتائج سياسات "المحور" المواجه لها الذي تقوده الولايات المتحدة ويضم في صفوفه دولاً عربية وغربية فضلا عن اسرائيل – يعني انها تحاول معرفة اذا كان التطبيع مع هذا المحور او التصالح معه يمكن ان ينعكس ايجاباً عليها وعلى نظامها من دون ان يلطّخ ذلك صورتها المتنوعة. وهذا ما تفعله القيادة السياسية السورية العليا الآن.
والانصاف في هذا المجال يقتضي الاعتراف، في رأي المتابعين المزمنين اللبنانيين والعرب اياهم، بأن ما تفعله سوريا اليوم ليس "اصطفافا" مع "المحور" المذكور اعلاه وليس اضطرارياً، وانما هو محاولة الافادة من التعثّر الكبير الذي وقع فيه هذا المحور في اكثر من "جبهة" عسكرية او سياسية في المنطقة وذلك بغية تحقيق مكاسب عدة تفك بواسطتها عزلتها وتزيل صعوباتها الاقتصادية والسياسية وتستعيد دورها الاقليمي سواء بحجمه القديم او بحجم جديد يتناسب مع الوقائع الراهنة كما تؤمّن ظروف استعادة اراضيها التي احتلتها اسرائيل عام 1967.
طبعاً ما شجّع سوريا بشار الاسد على خوض المحاولة المشار اليها هو ادراكها حاجة "المحور" المعادي لها اليها "لحلحلة" الكثير من العقد والمشكلات في لبنان وفلسطين والعراق او مع ايران الاسلامية، وايضاً في موضوع الارهاب. ولم تظهر هذه الحاجة الا بعدما وقع (اي المحور) في سلسلة من الاخفاقات وادرك ان اعضاءه "الاقليميين" عاجزون عن توفير المساعدة المطلوبة وحتى التغطية وايقن ان ظروف زعيمته، اي اميركا، لم تعد تسمح لها بطموحات كبيرة جداً او بالاحرى بمحاولة تحقيقها بوسائلها المباشرة. ذلك ان المحور الآخر الذي سوريا جزء منه اثبت، حتى الآن على الاقل، قدرة على الصمود والفعل وعلى التغيير في اكثر من مكان، واظهر ايضاً رغبة في التسوية ولكن من موقع قوة او من موقع الشراكة الكاملة.
اي اعتقاد هو الاقرب الى الصحة والواقع؟
هذه المرة يبدو اعتقاد المتابعين المزمنين العرب واللبنانيين هو الاقرب الى ذلك، علماً ان الجزم النهائي في هذا الموضوع لا يزال سابقاً لأوانه، لان الانفتاح الذي يظهره الغرب بشقيه الاوروبي والاميركي على ايران وسوريا، كما المفاوضات غير المباشرة السورية – الاسرائيلية وكذلك الدور الذي تؤديه اسرائيل لتأهيل سوريا اميركياً انطلاقاً من التقاء المصالح وليس من اي شيء آخر لا يزال في بدايته اي في فترة اختبار. واي اختبار قد ينجح او قد يفشل.