حصاد الحزب والمرحلة الجديدة
يحصد «حزب الله» نتائج انتصاره في عام 2006، بعدما فشلت اسرائيل عبر استخدامها «القوة المفرطة» ضد لبنان، في القضاء على بنية الحزب، الذي كان هدفها الفعلي في حينه، وليس تحرير جندييها اللذين أسرهما في اليوم الأول لتلك الحرب التي أعمى الغرور فيها القيادة الإسرائيلية، فظنت انها قادرة على تحقيق ما تريد عبرها.
ومن الطبيعي ان يحصد الحزب النتائج انتصاراً والتفافاً حوله وحول الأسرى العائدين ومشاعر التضامن والاعتزاز على الصعيد العربي، فيما تحصد إسرائيل مشاعر الخيبة والإحباط من ان قاعدة التفوق التي رسخت في ذهن مواطنيها وقادتها لم تعد تنفع في تحقيق الانتصارات لها والهزائم للعرب في شكل أوتوماتيكي. وبهذا المعنى، فإن المناخ السياسي الذي أحاط بعملية تبادل الأسرى بينها وبين «حزب الله»، وتبادل جثامين الشهداء اللبنانيين والفلسطينيين والعرب بأشلاء جنود اسرائيليين هو حصاد الزرع في عام 2006.
سبق الفلسطينيون «حزب الله» في البرهان على ان استخدام القوة المفرطة تجاه انتفاضتهم التي انطلقت في الثمانينات، ثم في انتفاضتهم الثانية في عام 2000، لا يمكن ان يلغي وجود الآخر. فالفلسطينيون صمدوا بتضحيات لم يسبق لشعب ان قدم مثلها، وبذل رئيسهم ياسر عرفات حياته، ولم يستسلموا باتجاهاتهم كافة، على مدى 8 سنوات، على رغم انهم ما زالوا يعانون أعنف المجازر ضدهم.
وأمثولة الأسرى والصمود الفلسطيني بالعلاقة مع القوة المفرطة لإسرائيل ليست الوحيدة. فالولايات المتحدة الأميركية سبق ان خبرت ان «فائض القوة» الذي لديها على الصعيد العالمي والذي أخذت تستخدمه بثقة «فائضة» بالنفس بعد ان زيّنت لنفسها الخلط بين محاربة الإرهاب وإخضاع شعوب المنطقة، لا يعني القدرة على ترويض المنطقة، خصوصاً بعدما حصدت منذ بداية عام 2004 سقوط نظريات المحافظين الجدد وأفولهم بدءاً بريتشارد بيرل بعد اشهر على سقوط العراق.
ومن دون التوهم بأن فشل القوة الإسرائيلية المفرطة في إخضاع الفلسطينيين واللبنانيين، سيقود الى إسقاط اسرائيل ونهايتها، كما ذهب «حزب الله» الى القول في لحظة حماسة «مفرطة»، فإن أمثولة الصمود الفلسطيني وانتصار استرداد الأسرى اللذين هما من دون شك من تداعيات حرب تموز والاندحار الإسرائيلي من لبنان عام 2000، مناسبة لأن يغيّر المجتمع الدولي قاعدة الدعم الأعمى لإسرائيل. وهما ايضاً مدعاة تغيير في السلوك الأميركي حيال العرب في مقاربة عملية السلام والنظام الإقليمي.
ومع ان الأمل ضئيل بتغيير إسرائيلي وتعديل أميركي، فإن ثمة أملاً بأن يعوّض لبنان ما فاته من عام 2006 حتى الأمس القريب. فمع انتصار تموز حصل عكسه على الصعيد اللبناني الداخلي. وبدل التماسك نتيجة الانتصار مقابل مفاعيله السلبية على إسرائيل، ذهب لبنان الى انقسام سياسي وطائفي ومذهبي خطير أهدر وهج هذا الانتصار وتداعياته الإيجابية على الصعيدين اللبناني والعربي.
فما رافق الزهو باستقبال الأسرى وجثامين الشهداء من مظاهر تضامن لبناني، والخطاب التصالحي والهادئ للأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، يحييان الأمل بإمكان التعويض عما فات.
وإذ بدا واضحاً ان نصرالله، أراد في خطابه المنفتح التخفف من اثقال السنتين الماضيتين على الوضع اللبناني الداخلي وعلى صورة الحزب كمقاومة ناجحة في مواجهة إسرائيل، فإن ظروفاً وعوامل عدة تتيح له التقاط المناسبة لزرع جديد ومرحلة جديدة.
إن الانقسام اللبناني بدأ آخر عام 2006 على المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. أما وأن المحكمة باتت مسألة دولية، وسورية تنخرط في مرحلة انفتاح على الصعيد الدولي وبإمكانها ان تتدبر شؤونها مع المحكمة عبر علاقاتها الدولية هذه، فإن الحزب ليس مضطراً لتحمل عبء الموقف منها داخلياً وخارجياً، مع اضراره الكبرى.