مصداقية سوريا وأوراقها السياسية
عاشت سوريا حينا من الدهر تشكو من غياب السلام »الشامل والعادل«، لكنها طيلة سنوات الشكوى هذه لم تكتف بالنواح أو مناشدة القوى الكبرى كي تنصر معادلة »الأرض مقابل السلام« أو طلب الدعم من الدول العربية الشقيقة.
بل عززت أوراقها التفاوضية، بصورة لا تخطئها عين بصيرة ولا عقل فهيم، حتى باتت واشنطن، التي قالت لحظة إطلاق عملية تفاوضية جديدة عقب احتلال العراق »سوريا ضعيفة وعليها أن تنتظر«، مؤمنة اليوم بأن الحديث مع السوريين أمر غاية في الأهمية، سواء بالنسبة لربيبتهم وحليفتهم إسرائيل، أو للمصالح الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط.
وهذا المسلك السوري المنظم، استطاع أن يستوعب الخروج من لبنان والذي بدأ وقتها هزيمة سياسية بكل المقاييس، بقدر ما تمكن من أن ينحني للعاصفة، مرات عديدة آخرها قبول طلب تركيا بطرد رئيس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من دمشق، والتعاون الأمني الوثيق مع الولايات المتحدة في حربها ضد ما تسميه »الإرهاب الدولي« والتي شنتها عقب حدث 11 سبتمبر.
ثم المزاوجة بين الهجوم الدبلوماسي على الأميركان حين كانوا يقولون بملء أفواههم عقب تمكنهم من إزاحة نظام صدام حسين: »محطتنا الثانية هي سوريا«، وبين منازلتهم الخفية في العراق، عبر تشجيع المقاومة وفتح الحدود لعبور الراديكاليين الإسلاميين إلى أرض الرافدين، واحتضان قيادات بعثية فرت إلى سوريا أثناء الغزو وعقبه.
وكان كل هذا مصحوبا بدعاية منظمة ترسم لسوريا صورة إيجابية تدور حول الصمود والتصدي والانحياز لخيار »المقاومة«، بلغت ذروتها بالتحالف مع إيران في وقت تواجه فيه غضبا أميركا متصاعدا، حتى لو كان ثمن هذه التضحية المؤقتة بالعلاقات الحميمة مع العرب، وتحطيم أضلاع المثلث الاقليمي الذي استندت عليه العملية السياسية في المنطقة عقدا كاملا من الزمن، والذي يضم مصر والسعودية وسوريا.
اليوم باتت هذه الصورة، وتلك الأوراق التفاوضية، وحتى العلاقات مع إيران، في موضع اختبار جدي لا فرار منه، طالما أن إسرائيل تردد دوما »الأسد يعرف ما نريده« قاصدة بهذا، وبشكل جلي لا لبس فيه، ان الجولان ستكون مقابل رقبة حزب الله وحماس والفصائل الفلسطينية الأخرى المعارضة والعلاقة مع طهران.
وتدرك دمشق مرامي هذا التصور الإسرائيلي وأبعاده، وتعلم علم اليقين أن تل أبيب ربما لا يكون أمامها خيار سوى الحرب، إن لم تبرم سلاما سريعا مع دمشق يقي الدولة العبرية من مأزقها الكبير الذي تعيشه، بفعل انتعاش المقاومة الفلسطينية، واستعصاء الجبهة اللبنانية على أي اجتياح إسرائيلي محتمل.
وتنامي قوة إيران مع مشرق شمس كل يوم جديد، وتصدع الجبهة الداخلية في إسرائيل، التي باتت تفتقد إلى الرجال الكبار أو الشخصيات الكارزمية، وتفتقر نسبيا إلى التوحد التام حول هدفها ومصيرها مقارنة بما كانت عليه الحال في الماضي.
لكن قبول دمشق التضحية بأوراقها التفاوضية والسياسية مقابل الجولان، يعني أمرين مباشرين: الأول انكشاف ظهر سوريا إلى زمن غير معلوم، والثاني هو انهيار درجة المصداقية التي بنتها سوريا في محيطها العربي والإسلامي على وجه الخصوص على أكتاف وقوفها في وجه إسرائيل، وهي مسألة من الصعب تعويضها في وقت قصير.
وحين ينكشف الظهر وتسقط المصداقية، تصبح سوريا أضعف من أي وقت مضى، وبالتالي تصبح درجة قابليتها للاستغواء عالية، لا سيما مع عدو لا يحترم اتفاقياته، وبالتالي بوسعه أن يعيد احتلال الجولان تحت أي ذريعة.
ونظرا لأن السوريين يعرفون كل هذا، فإنهم يشعرون بما قد تجلبه تجربة التفاوض مع إسرائيل، الجارية الآن بوساطة تركية، لهم من متاعب وعثرات، ويخشون من أن يكون كل ما يجري حاليا هو مجرد فخ لتقليم أظافرهم أو بناء ذريعة إسرائيلية جديدة لمحاربتهم، أو على الأقل تجنيبهم مرحليا لحين تفرغ أميركا وإسرائيل من إيران.
وبالتالي فإن دمشق ساعتها ستفقد الكثير من ركائز قوتها، ومن المساحات الشاسعة للمناورة والتحايل، لتصبح الفائدة الوحيدة من فتح ثغرة للتفاوض مع إسرائيل، هي إمكانية أن تتفادى سوريا مرحليا ومؤقتا الوقوع في فوهة المدفع الأميركي ـ الإسرائيلي إن أطلق في وجه إيران.
وهذا الوضع المعقد جعل سوريا تعمل الآن في أربعة مسارات قد تبدو متنافرة، وهي تمتين العلاقة مع إيران، والمضي في التفاوض مع إسرائيل، والاحتفاظ بالحبال السرية مع المقاومة في لبنان وفلسطين، وترك الأبواب مواربة للعلاقات مع القاهرة والرياض على وجه التحديد، والسعي الحثيث لكسر العزلة الدولية وهو ما تحقق في الاجتماع الأول لـ»الاتحاد من أجل المتوسط« الذي انعقد بباريس هذا الأسبوع.
لكن مساحة هذا التنافر ستزيد كلما انغمست دمشق في التفاوض، ولذا لا يبدو أمامها من سبيل لاسترداد أرضها السليبة من دون فقدان ركائز قوتها، سوى وجود حل متكامل لمشاكل المنطقة، قد يقوم، من وجهة نظر دمشق، على تعزيز مسار الحوار المتردد والخفي بين واشنطن وطهران، وإنهاء حصار غزة والإتيان بحماس إلى التفاوض مع إسرائيل بعد الاعتراف بها، والحفاظ على مصالح سوريا في لبنان، وتمهيد الساحة لانسحاب أميركي متدرج من أرض الرافدين، وفتح باب للحوار العربي ـ الإيراني حول مستقبل العراق.
ولأن جمع كل هذه المسارات في حزمة واحدة أمر ليس باليسير، فإن المفاوضات بين دمشق وتل أبيب إما أن تفشل، أو تسير بقدمي سلحفاة، وقد تنتهي بالتلويح بـ »وديعة« جديدة على غرار وديعة رابين، وبالتالي ستضاف إلى جولات التفاوض المتقطعة والمتباعدة بين الطرفين.
والمسألة في خاتمة المطاف تتوقف على من لديه استعداد أكثر لتحمل نتائج فشل التفاوض وتأزم الموقف، أو من أضناه الصبر الطويل على احتلال أرضه (سوريا) أو نهب أرض الغير (إسرائيل)، وفي كل الأحوال فإن المعادلات التي ستلي هذا التفاوض قد تختلف عن تلك التي سبقته، لا سيما أن الموقف في المنطقة يتحرك أسرع من أي وقت مضى