الديموقراطية عند بشار وعمر البشير
سمعنا امس في الاعلام ان وزير خارجية سوريا وليد المعلم ابلغ السفير السوداني في دمشق " ان المحكمة الجنائية الدولية تجاوزت صلاحياتها في اتهام الرئيس عمر البشير المنتخب من شعبه والمتمتع بالحصانة " بارتكاب جرائم حرب في درافور ! ومساءً شاهدنا على اقنية التلفزة ان 1500 سوداني تظاهروا امام القصر الجمهوري في الخرطوم منددين بقرار المدعي العام الجنائي الذي اصدر امراً باعتقال الرئيس البشير ، هاتفين بموته !!
ونموذج الديموقراطية في دول العالم " السابع " تجد مرتعها دون شك في دول مثل سوريا والسودان حيث الخيار امام الناس للانتخاب واحد : اما الرئيس … واما الرئيس ! فلا اوراق بيضاء ولا مرشحين آخرين ! ونسبة المقترعين عادةً في مثل هذه الجمهوريات كبير جداً ، وما ينالوه " المرشح الاوحد " تزيد نسبته عن 90 % وقد تصل كما في زمان الرئيس الراحل حافظ الاسد الى 99 ، % من اصوات الناخبين دون مبالغة !!
وفي الشدائد تظهر الناس عادةً تعلقها بالمسؤول المنتخب ديموقراطياً ، وهذا ما لا يبدو متوفراً في العاصمة السودانية حيث لم يجد سوى الف وخمسماية سوداني ان من واجبهم استنكار التعرض للرئيس من اصل 28.5 مليون مواطن لم يلفتهم الاتهام ولم يجدوا انفسهم معنيين بالدفاع عن رئيسهم الذي انقلب على سلفه ، ويستمر في سدة الرئاسة الى ان يطيحه خلفه ! وينظم طوال حقبته الرئاسية الممددة انتخابات صورية كالتي ورد الكلام عنها في حديث الوزير المعلم !
ولا يشك احد من المراقبين ان الاستنكار السوري لا يأتي من قناعات سياسية ، بل ان مبرراته هي التخوف من انتقال العدوى الى " الشام " التي يمكن لرئيسها ان يواجه وضعاً مشابهاً عند مباشرة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان مهامها في محاكمة المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر الجرائم التي هزت وطن الارز منذ العام 2005 وحتى الساعة ، والانتخاب والحصانة اللتان ذكرهما الوزير السوري تعنيان الرئيسين في الشكل والمضمون ! ومذكرة الاعتقال بحق البشير قد يصدر مثلها (ولو بعد حين ) بحق الاسد ، ومن هنا اتى استدراك المعلم على امل ان يجدوا في سوريا من يدين مثلهم ويستنكر ويدعوا جامعة الدول العربية للاجتماع واتخاذ القرارات المضادة لمفاعيل العدل الدولي !
وما لم تتعلم بعض الدول والمنظمات ان حق تقرير المصير رهن في الديموقراطيات الحقيقية بالاستفتاءات الشعبية ونتائجها ، وان المدفع والدبابة ليستا الوسيلة المعتمدة لاستطلاع آراء الناس ! وان استخدام القوة المفرطة في وجه المطالبين بالسيادة والحرية ، خرق للقوانين الدولية ، فإن المآسي الانسانية ستستمر وسنشهد " رواندا " اخرى و " يوغوسلافيا ايضاً " و " سودان آخر " و " سوريا منسوخة " و " ايران جديدة " ! وسنرى رؤوساً كبيرة في اقفاص الاتهام ، وسنشهد مهازل يجد فيها المواطن نفسه مرغماً على الهتاف ضد العدالة دون ان يستطيع ان يغير مسار التاريخ وحركته المستمرة في التقدم باتجاه الحرية والديموقراطية وصون حقوق الانسان وحقه في التعبير .
ويبقى ان احد اهم اسباب سماح بعض العرب بأن يحدث ما حدث في لبنان طوال الـ 30 سنة المنصرمة ، هو غيرتهم من فسحة حرية الرأي والمعتقد فيه وممارستهما علناً والدفاع عنهما بالآظافر والنضال والعرق والدم ، ومن هنا يتبين مقدار المخاطر التي تحدق بالوطن الصغير من جراء " الاديولوجيات الظلامية " التي يستوردها اصحابها من بلاد المنشأ ويحاولون تعميمها بقوة السلاح الالهي ومعه المال النظيف الطاهر !!