خطط "بونابرتيه" طموحة تجاه الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
أشارت بعض المصادر الإقليمية المطّلعة إلى أنّ حضور 43 دولة في باريس لإعلان مولد هذا الإتحاد من أجل المتوسط، يعد إنتصاراً لتحركات الرئيس الفرنسي الهادفة إلى عمل يتبنى قيام عدة جسور، تصب كلها في هدف واحد توافق عليه الولايات المتحدة في الحوار مع دول مثل سوريا، وجذب لبنان إلى هذه الدائرة، ومحاولة الضغط على إيران للتخلي عن طموحات نووية وعدم دفعها في نطاق دائرة الخطر العسكري
المصادر أكّدت أنّ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قد نجح في تجميع دول الإتحاد الأوروبي مع أخرى عربية بحضور إسرائيل للمشاركة في إعلان تجمعه للإتحاد من أجل المتوسط، لمناقشة تحديات جمة بشأن الهجرة غير الشرعية والتوتر الإقليمي بالإضافة إلى ملف التلوث .
وقد إعترضت عدة دول عربية، منها الجزائر على حضور إسرائيل أعمال هذا المنتدى، كما أن سوريا حضرت اللقاء الأوروبي المتوسطي مع وجود تل أبيب، وهو ما يعزز إتجاهات تتحدث عن مفاوضات بين الدولتين عبر تركيا، وقد تتطور في لقاءات مباشرة كما تطالب بذلك حكومة إيهود أولمرت .
وكما أفادت المصادر بأنّ الرئيس الفرنسي إستطاع إقناع الأطراف المتحفظة على تشكيل هذا الإتحاد بالحضور، وهو ما دفع بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى المشاركة، مع أنه كان يعترض على الحضور الإسرائيلي وينتقد في الوقت نفسه قيام هذا الإئتلاف بين دول المتوسط والإتحاد الأوروبي، لأنه نسخة مكررة من مبادرة برشلونة التي طرحت نفسها في عام 1995، ولم تؤد إلى شئ حقيقي، وكان مصيرها الفشل .
بحسب المصادر عينها فقد إنشغلت قضايا الإتحاد الأوروبي بإمتصاص الجزء الشرقي الذي كان خاضعاً للنفوذ السوفياتي، وبعد تفكيكه وإنهياره ونهاية الحرب الباردة، بالإعتماد على جذب هذا القطاع ودعوته للعمل في الدول الأوروبية الثرية مثل فرنسا، ألمانيا وبريطانيا، وضخ الأموال والإستثمارات لتنمية الحزام الفقير الذي أنهك خلال الإنفصال الأيدولوجي .
كذلك تابعت أنّ الإتحاد الأوروبي يبدو سعيداً بجهده في ترميم علاقاته مع الجزء الشرقي وإمتصاص خبرات هائلة إليه , ويكفي ذكر أن أكثر من مليون بولندي دخلوا إلى بريطانيا مع مئات الآلاف من الروس أنفسهم , فيما يبدو أن الإتحاد يستعين بهجرات بيضاء تدين بالثقافة نفسها إلى القطاع الثري في الدول الصناعية الكبرى .
ففي نظر الأوساط المطّلعة يواجه الإتحاد الأوروبي تطورات في جنوب المتوسط، عبر التوتر الجاري نتيجة نشاط نفوذ تنظيم "القاعدة " في بلاد المغرب العربي، وتفكك التنمية في هذه البلاد وتراجعها وفشلها في حل قضايا البطالة والتعثر الإقتصادي . وإتجاه طوابير من مواطني الجنوب إلى الشمال المتوسطي الغني، مثل فرنسا وإيطاليا وأسبانيا، ينجم عنه عدة مخاطر نتيجة نمو الحركات المتطرفة التي تحركت في مدريد وباريس , مع وجود جالية ضخمة في العاصمة الأخيرة من بلدان المغرب العربي .
والحقيقة أن تعثر التنمية في بلاد هذه المنطقة , يدفع لتدفق الهجرات إلى الدول الأوروبية الثرية، ومعالجة هذا الوضع لن تتم بإصدار القوانين المشددة , بينما السعي بشكل أو بآخر لمساعدة هذه الدول عبر إستثمارات ومعونات، غير أن الإتحاد الأوربي يشكو أن معوناته وإستثماراته تغرقفي شباك ومناخ يعود للفساد وتخلف الإدارة . كما أن بعض الأنظمة المتشددة في تلك البلدان تطبق أساليب إستبدادية، مما ينجم عنها تدفق طوابير الهجرة إلى الشمال الأوروبي الثري .
كما أكّدت المصادر أنّ البعض كان قد إعترض بشأن تشكيل إتحاد المتوسط، بدعوى أن هدفه دفع قطار التطبيع مع إسرائيل، كما أنه يهدد الجامعة العربية ذاتها، لكن حضور الأمين العام للجماعة العربية عمر موسى , يشير إلى مباركة للنظام العربي لهذا التجمع مع إستعداد للحوار ولمناقشة القضايا الحيوية .
وإذا كانت المخاوف من التطبيع قد طرحت نفسها، فإنه تم تسويق الأمر بالعبور على هذه القضية، إذ دفع الدول العربية المتوسطية إلى مشاركة مع وجود إسرائيل، في ظل موافقة قطاع من دول الإتحاد المغربي بالحضور، مع إعتراض "ليبيا " بشكل صريح نتيجة ما تراه السعي لتمزيق العالم العربي، وعزل دوله المتوسطة عن الأخرى في جنوب القارة الإفريقية، مما يعني ترسيخ التشتت .
وعلى الرغم من إعتراض القذافي الصريح فإن دولاً أخرى معه في الإتحاد المغربي شاركت وحضرت، حفاظاً على علاقاتها مع فرنسا، التي تقوم بنشاط بالغ وتسعى لملأ الفراغ الأمريكي في المنطقة، نتيجة الإنشغال في معركة الرئاسة وبدءالعد التنازلي لحكم الرئيس جورج بوش .
كانت فرنسا جاك شيراك، على خصام مع الإستراتيجية الأمريكية، أما الأخرى التي يقودها ساركوزي الآن فهي تتناغم معها بل تدفع في إتجاهها. وقد نجح الرئيس الفرنسي في دعوة سوريا والجزائر وتونس مع وجود إسرائيل في القاعة نفسها، التي إلتقى فيها بعض الزعماء العرب، الذين ليست لبلادهم علاقات مباشرة مع الدولة العبرية، كما هو الحال مع مصر .
وقد نجحت " ألمانيا" في إدخال الإتحاد الأوروبي على خطى المشروع الفرنسي، الذي كان يسعى للإنفراد بهذا التكتل لمصلحته أولاً، غير أن التجمع الذي إلتقى في " باريس" حظى بموافقة دول أوروبية أخرى نتيجة التعديل الذي فرضه بون، في محاولة لتأمين أوضاع القارة الأوروبية مع جيرانها في منطقة الجنوب على وجه الخصوص ومحاولة تطويق المشاكل الموجودة هناك حتى لا تعبر المتوسط وتصل إلى باريس وروما ومدريد .
كما أن هناك الأحاديث عن رغبة فرنسية في تقليص أعداد المهاجرين إليها، وإعادة تأهيلهم ودفعهم للإنتقال إلى بلادهم، لتجنب الصعوبات الناجمة عن خلافات ثقافية بدأت تطل برأسها مع إستخدام موجات العنف وأسلوب التفجيرات والعمليات الإنتحارية .
وذكّرت المصادر أنّه المهاجرين كانوا قد رحلوا إلى أوروبا في بدايات القرن الماضي، وهم اليوم يندمجون مع ثقافة الغرب، وكانت الجزائر على وجه الخصوص داخلة في عمق الحياة الفرنسية . وكان مهاجروها عندما يتجهون إلى "باريس" يشعرون بأنهم في وطنهم , ومن خلال هذا المناخ نبغ مثقفون ينتمون إلى المغرب العربي على أرض الحضارة الفرنسية وثقافتها ولغتها .
الآن إختلفت الأمور بشكل عميق، فلم يعد المهاجرون على وفاق مع هذه الثقافة، وهناك إختلافات وممانعة بشأن الإندماج، بينما المهاجر القادم من شرق أوروبا ينصهر في هذا المحيط، لأنه ينتمي إلى الجذور نفسها، وإنعزاله داخل السور الحديدي السوفياتي لم يؤثر على هذا الإنتماء العرقي أو الديني .
كذلك توقّعت المصادر خاتمةً بفشل الإتحاد من أجل المتوسط، نتيجة لعوامل غياب خطة أوروبية تتجه لدول الجنوب، ومساعدة الخيار الديمقراطي لمعالجة أزمات الداخل في هذه الدول، كما أن الهجرة لم تنحس، إذ ستحاول دائماً للبحث عن مخرج للوصول إلى هذه البلاد،وعندما تصلها لا تشعر بالإنسجام معها، فيحدث هذا التناقض الناجم عن سياسات أوروبية لا تحاول حل المشكلات المشتعلة، التي تعبر المتوسط وتنفجر في فرنسا وأسبانيا وتثير المخاوف بشأن ما يقال عن صراع حضارات، هو في حقيقته يعود إلى دور تاريخي طويل أرهق هذه البلاد،وفي النهاية ألقى بها إلى يد أنظمة باطشة، لا تحمي أوضاع تلك البلاد، وإنما تقودها من أزمة إلى أخرى .