سوريا واستعادة لبنان عام 2009
هل صارت حال "السياديين" اللبنانيين مثل حال الذين شارفوا الغرق ولذلك فانهم يبحثون بلا كلل ولكن بفوضى عن شيء يتمسكون به وإن يكن "قشة" لا تستطيع ان تقدم لهم ما يريدون؟
قد لا يكون هؤلاء وصلوا الى الحال الموصوفة، يجيب متابعون لبنانيون مزمنون لاوضاع بلادهم ولخلفياتها الخارجية المتنوعة بكثير من الدقة، لكنهم قد لا يكونون بعيدين منها كثيراً. فهم من جهة تلقوا ضربة عسكرية معروفة وواضحة في ايار الماضي. ثم تلقوا ضربة سياسية واضحة عندما قبلوا ثلثاً معطلاً معارضاً في الحكومة الجديدة رغم انهم يشكلون الغالبية النيابية. وهم من جهة ثالثة يشاهدون بقلق وحيرة واستغراب الانفتاح الذي مارسته فرنسا حيال "خصمهم" الاول على الاقل منذ عام 2005 رئيس سوريا بشار الاسد والهدايا التي قدمتها اليه في مقابل تسهيله وقف "حرب ايار" وانتخاب رئيس جديد للجمهورية وتأليف الحكومة الاولى في عهده. ويتساءلون عما اذا كانت اميركا زعيمة المجتمع الدولي وحليفتهم اي حليفة لبنان السيد والمستقل اعطت انفتاح فرنسا المشار اليه ضوءاً اخضر او اذا كانت لا تزال على "العهد" اي على غضبها من سوريا واصرارها على معاقبتها لاعمال كثيرة قامت بها ولامتناعها عن القيام باعمال اخرى وعلى حماية لبنان من كل الطامعين به. ويتساءلون ايضاً عما اذا كانت اوروبا بدأت تعد العدة لممارسة الانفتاح نفسه.
وهم من جهة رابعة يرون عودة المفاوضات بين سوريا واسرائيل، وإن غير مباشرة بعد منع اميركا جورج بوش وعلى مدى قرابة ثماني سنوات معاودتها رغم رغبة الاثنتين فيها ويحاولون ان يروا اذا كان ذلك تعبيراً عن تغيير في موقف هذه الاميركا منهم ومن وطنهم.
وهم من جهة خامسة، يتابعون الاخبار والمعطيات وإن تكن غير واضحة ومفصلة ونهائية بعد عن انفتاح يُعد له بين اميركا وايران حليفة سوريا والراعية المباشرة لفريق لبناني مهم منذ نحو عقدين ونصف عقد وتالياً لجمهوره او لشعبه.
ما هي "القشة" التي يحاول "السياديون" اللبنانيون التمسك بها تلافياً للغرق؟ "القشات" كثيرة. الا ان ابرزها كان تسريب مصادر فرنسية رسمية الى عدد من الزملاء اللبنانيين المعروفين بدقة متابعتهم الاعلامية من فرنسا بعد زيارة الاسد لباريس، معلومات تؤكد ان الرئيس نيكولا ساركوزي وضع الرئيس السوري في "مرحلة اختبار" وانه ينتظر ان يفي بوعوده والتزاماته اللبنانية من الآن حتى موعد زيارته دمشق تلبية لدعوة رسمية في شهر ايلول المقبل. وقد اوحت المعلومات ان اعادة نظر ربما في الزيارة والانفتاح الفرنسي كله على سوريا بشار الاسد قد تحصل اذا لم تُساعد لبنان برئيسه الجديد وحكومته الجديدة على تأمين حد أدنى من الاستقرار وتُقم علاقة ديبلوماسية مع لبنان واذا لم تنفذ مبادرات تسهيلية اخرى.
طبعاً كانت هناك "قشات" اخرى اميركية مثل تأكيد استمرار التزام قضية لبنان، والمحكمة الدولية، وتقديم مساعدات الى القوى الامنية والعسكرية، ورفض اتمام صفقة مع سوريا على حساب لبنان. لكن هاتين "القشتين" و"قشات" اخرى كثيرة غيرها لم تُزِلْ من نفوس "السياديين" اياهم بل من اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية القلق والخوف على الامن والاستقرار وربما على البلد. ولذلك سببان. الاول، استمرار لبنان ساحة للمواجهة الشرسة في المنطقة بين اميركا وحلفائها وسوريا وايران وحلفائهما وفشل "السياديين" ومعهم حليفهم الاميركي والمجتمع الدولي في اعادته وطنا. فـ"السياديون" ارتكبوا اخطاء كثيرة فادحة لكن ظروفهم الداخلية والخارجية كانت بالغة الصعوبة. وحلفاؤهم الخارجيون اخفقوا في مساعدتهم لانهم اخفقوا في مشروعهم الاقليمي وفي مواجهاتهم مع اخصامهم بل اعدائهم في المنطقة.
اما السبب الثاني، فهو عدم حاجة سوريا بشار الاسد الى انفتاح اوروبا واميركا وعرب اميركا وكذلك اسرائيل عليها لتغيير الاوضاع في لبنان كي تصبح في مصلحتها او لدفعها في اتجاه كهذا. فالتطورات التي شهدها لبنان اظهرت غلبة واضحة متنوعة او بداية غلبة لحلفاء سوريا اللبنانيين. اولا، بسبب وحدتهم والتزامهم واستعدادهم لـ"الاستشهاد" في سبيل قضية يؤمنون بها وامكاناتهم الهائلة العسكرية والمالية والسياسية. وثانياً، بسبب اخفاق "السياديين" في التحول فريقاً واحداً يترجم الزخم الشعبي الكبير جداً الذي ظهر في 14 آذار 2005 وبعده. وثالثاً، بسبب "قلة حيلة" عرب الاعتدال او عرب "السيادة والاستقلال" اذا جاز التعبير اي عرب اميركا وتالياً عجزهم عن تقديم ما يعطل او على الاقل يوازي ما تقدمه سوريا وايران من دعم متنوع. هذا فضلا عن "قلة حيلة" اميركا.
ماذا يعني ذلك؟
يعني ان سوريا، واستناداً الى المتابعين اللبنانيين انفسهم، لا تريد ان "تربح جميلة" الدول الكبرى وخصوصاً اميركا لاستعادة لبنان وان على نحو مختلف عن الماضي. فهذا الامر بدأ ومن دون موافقة هذه الدول. وهو سيستمر حتى ينجز في الانتخابات النيابية السنة المقبلة التي تعتقد سوريا ان حلفاءها سيفوزون فيها بغالبية مقاعد مجلس النواب (نصف + واحد) وربما يقتربون من غالبية الثلثين. طبعاً ستعمد سوريا الى عدم استفزاز فرنسا واميركا واوروبا لأنها في حاجة الى انفتاحهم عليها في قضايا اقليمية اخرى مهمة ولأنها لا تريدهم ان يعطلوا "نجاحها" اللبناني المطرد.
ألا "تكبِّر سوريا حجرها" كما يقول المثل في توقع السيطرة على مجلس نواب لبنان من خلال حلفائها فيه؟
لا احد ينكر نجاحاتها في لبنان وخصوصاً في السنتين الماضيتين، يجيب المتابعون اللبنانيون انفسهم. لكن ذلك لا يكفي لتأكيد توقّع كالمذكور اعلاه. فالانقسامات لا تزال كبيرة والاحقاد عميقة ولم تصل الشعوب اللبنانية ولاسيما تلك التي لم تصبح منها دولة او دويلة الى درجة الاستسلام علماً انها قد تصل اليها فقط اذا منيت بهزيمة كاملة. فضلاً عن ان الاميركيين يعتقدون ان فوز حلفاء سوريا – ايران في الانتخابات لن يحسم شيئاً في لبنان، لان الانتصار "المعارض" سيكون في حجم الإنتصار الذي حققه الموالون عام 2005، وذلك يعني ان تبادلاً للأدوار سيحصل وان فريق 14 آذار سيبقى قادراً على التعطيل. طبعاً هذا الكلام قد يكون صحيحاً. لكن على قائليه ألا ينسوا ان غالبية ضعيفة لـ8 آذار ستكون اهم من معارضة كبيرة لـ14 آذار بسبب الخلل في ميزان القوى بين الاثنين وعلى اكثر من صعيد.