عاد الأسرى والشهداء فمتى يعود الوطن؟
اعتدنا استقبال الأسرى المحررين من السجون الاسرائيلية وسواها واستقبال الجثامين والرفات والجثث من الكيان الملعون. واعتدنا الاحتفالات والخطب وما يقال في مثل هذه المناسبات. واعتدنا الزغاريد ورش الأرز والأزهار على النعوش، وعلى الأحياء الذين يحملون النعوش، أو الأحياء الذين تحملهم النعوش. اعتدنا منذ قرابة نصف قرن وأكثر أن يكون للشهداء من يرثهم، أو يحتضنهم أو يعلن حضورهم المتجدد. بيننا، عبر من يُختار له، أو يختار لنفسه أن ينذر نفسه شهيداً للأرض أو للحزب أو للطائفة أو للوطن أو للقرية أو للدين… أو للآخرين من خارج الحدود. إذاً شهداء من كل حدب وصوب وحلة وملة وحزب. اعتدنا، قلت. ومع هذا، ثمة عادات لا تشحب، ولا تتغضن: تبقى في طزاجاتها الأولى وإن متكررة، وفي قسماتها الحية وإن مخدّدة… هذا ما شعر به اللبنانيون، أمس، وكأنه شعور ما زال أول. وما زال في نضارة البداية، عندما انتظروا الأسرى والجثامين والرفات… العائدين من الكيان الصهيوني!
انتظروهم وكأنهم كلهم أحياء: أسرى أحياء وجثامين أحياء. ورفات أحياء. والمنتظرون، وبرغم تقدم أعمار العديد منهم، كان لانتظارهم أن يجعلهم صبية أو فتية أو شباباً أو حتى أطفالاً.
وكما تساوى الحي والشهيد والرميم في اللهفة الى أرض الوطن، تساوى المستقبلون في فُتُوّة مشاعرهم: فالغربة التي تصيب الأسير في معتقله، تصيب أيضاً الشهيد في تربة أخرى، وكذلك الرفات. والذكرى. والرماد. والبقايا: كأنها لا تريد أن تموت مدفونة في غير بلادها، لتحيا لحظات العودة وكأنها لحظات انبعاث. فلا الأسرى اعتادوا الأسرَ ليقايضوا حريتهم، ولا الموتى اعتادوا الموت ليقايضوا حياتهم. كأنها لحظة حرية أخرى، يمشي فيها الجميع نحو الجميع، ويلتقي فيها الجميع الجميع، على أرض عانت ما عانوا من الأسر والقمع والقتل والظلم والارهاب والترهيب والاحتلال.
عادوا أمس وأول من أمس الى بلادهم. (فهل عادت بلادهم الى بلادهم؟).
وكان الجميع في استقبالهم: الناس والأرض والشجر والهواء وكذلك الموتى في قبورهم، والشهداء من كافة الجهات، والأحياء، وآثار الحروب، والدمار: فالشهيد يستدعي الشهيد ولو خصماً!
عادوا الى وطنهم الذي قد يجدونه مثلما تركوه: ما الى ساحة للموت والشهادة والاغتيال والطغيانية المستبدة، والسيادة المنتهكة، والاستقلال المهدد، والحروب المفتوحة: عادوا الى وطن لا يعرفون ما إذا كان عائداً أم مغادراً. والى دولة لا يعرفون ما إذا كانت ستبقى دولة أم مجموعة دول. والى نظام لا يعرفون ما إذا كان نظاماً أم مجموعة أنظمة. والى شعب لا يعرفون ما إذا كان لا يزال شعباً أم مجموعة شعوب ـ طوائف ـ مذاهب ـ عشائر. والى حدود لا يعرفون ما إذا كانت حدود بلادهم أم صارت حدوداً لبلاد أخرى. والى جيش ومؤسسات وقوى لا يعرفون ما إذا كانت ستبقى مؤسسات أو تكون جيوشاً وميلشيات وتنظيمات أمر واقع، ومرتزقة… أو مُرتَهَنَة…
عادوا الى المكان "الملتبس" والى البلاد التي ما زالت كما تركوها، في "دائرة الخطر"، (وأي بلاد تبقى في دائرة الخطر الى الأبد) والى ناس، ما زالوا على مشارف "المجهول" تماماً كما تركوهم قبل 30 عاماً مع سمير القنطار أو مع سواه ممن استشهدوا حديثاً أو في فترات مختلفة. عادوا منتصرين نَعَم! وكل عودة الى الوطن انتصار. وعادوا الى من انتصر بهم ولهم: وكل انتصار بهم انتصار لهم… (وحتى إشعار آخر): وسبق أن انتصر "بهم" آخرون، وانتصر لهم أيضاً آخرون، وتغيّر المنتصرون بهم ولهم على امتداد هذه العقود ويا للغرابة! ولكن الانتصار انتصار حتى ولو كان في مرتبة تبادل الأدوار وإنكارها! وقد لا يعرفون من سينتصر بهم أو لهم في المستقبل: أيكونون من باب النقائض أو غير النقائض، ذلك ان هذه الأرض بحروب الآخرين عليها، تبتلع ما يبتلع من العابرين، وتمتص ما تمتص من الوافدين، وتغيّر ما تغيّر من المهزومين والمنتصرين، فيصير المنتصر في لحظة مهزوماً، ويصير المنهزم منتصراً، من دون أن نعرف مَنْ هو البديل القادم ولا مَنْ هو المنتصر ولا مَنْ هو المنهزم. وهنا تحديداً قد يشعر العائدون أنهم انتصروا فعلاً لأنهم وبرغم تغيّر العهود و"القادة" و"الأبطال" (العوذ بالله) والمحاربون والدول… قد عادوا ولم يتغيّر شيء أكيد: ان الشهيد هو الذي يرث الشهيد، والأسير هو الذي يرث الأسير، على أرض لا يرثها، مهما تبدلت الظروف، سوى الطالع منها أو العائد إليها، على أرض ليس لأحد أن يرثها غير أهلها: هذا هو معنى الشهادة: أن يقدم الشهيد حياته فداء لأرضه وأهله: وهل تكون شهادة إذا استبدلت الأرض بأرض، واستُبدل ناس بناس، لتكون الشهادة من معاني القفز فوق الواقع، أو من مجاز مقابلة احتلال العدو باحتلال آخر وعبر الشهادة نفسها!
عادوا من تلاوين عديدة، الأسرى والشهداء، ومن ضفاف تواجهت وتباعدت: من المقاومة الوطنية للاحتلال عام 1982، الى المقاومة الفلسطينية بامتداداتها العربية والدولية ومنها سمير القنطار، ودلال المغربي (1978)… ومنها المقاومة الاسلامية وعلى رأسها حزب الله، ومنها المقاومات الأخرى في المجتمع المدني، والالتزامات العريقة.
عاد المختلفون في أزمنتهم وإشاراتهم معاً من "أرض الميعاد" المغتصبة من خرائط التوراة المستبهمة في سفر التكوين، ذهبوا مختلفين في طرقهم وعادوا متفقين في شهادتهم، أوليست هذه من مقاصد الشهادة أو النضال أو الجهاد أو الكفاح: أن تتوحد الأضداد ضد المحتل أو الظالم أو المستبعد أو تحت الأرض، وسيتذكر من له أن يتذكر كم كانت عندنا مقاومات منذ نهاية الستينات وحتى الثمانينات: وكم تخرقدت واختُرِقت وتصادمت تصادم المرجعيات والمصادر التي كانت تساعدها أو تمولها: من مقاومة فلسطينية مرتبطة بفتح أو العاصفة… الى جبهة شعبية، أو ديموقراطية، الى الصاعقة (ونتذكر زهير محسن أو زهير "عجمي")… الى مقاومات مقابلة: مقاومة لبنانية أو مسيحية إلخ: فَرَّخت المقاومات في كل اتجاه: هذه تدعمها أنظمة ثورية: ليبيا أو العراق أو اليمن أو موسكو، وتلك أنظمة أخرى: البعث السوري، وتلك ساداتية، وتلك يابانية، أو سودانية، أو تونسية… واسرائيلية أو خليجية/ (بتوع كلو): فكيف اتسعت أرضنا لكل هذه المقاومات!
الأرض التي حملت كل التنوعات السياسية قبل الحرب أفرزت كل متنوعات المقاومة: وفي لحظة بدا وكأن الشعب كله صار مقاومة مُعززة ضد بعضها، هنا مذهبية أو طائفية وهناك قومية وهناك ايديولوجية، وبحروب على بعضها: حروب أنظمة عربية داخل هذه المقاومات، وحروب ضد اسرائيل داخل هذه المقاومات، وحروب ضد الوجود السوري داخل هذه المقاومات: اختلط الكل بالكل واختلطت الشهادات بالخيانات والقتال بالقتل، والهوية بالاقتلاع، والمجزرة بالمجزرة، والسبت الأسود، بالأحد الأسود، بالاثنين الأسود، بالجمعة الأسود… حتى تحولت الأيام كلها أسود بأسود. وهكذا كان للمقاومة الفلسطينية شهداؤها. ولبعض التنظيمات الفلسطينية المرتبطة بمرجعيات غير فلسطينية شهداؤها، ولبعض الأحزاب اليمنية شهداؤها في مواجهات هؤلاء. وكلها، أي تلك الصراعات، أرست على من يستولي على "الورقة" اللبنانية المسلوبة لتكون وسيلة مقايضة بيد الخارج أو تحسين شروط أو إعلان حرب، أو تسوية إما مع اسرائيل أو أميركا أو أوروبا… تنوّع غريب في أرض صارت نهباً للغربة، تنوّعت الشعارات والموت واحد، تنوّعت الالتزامات والموت واحد. وعندما كان لاسرائيل أن تغزو الجنوب حتى بيروت لتصفي المقاومة الفلسطينية، ولتكمل التصفية، بعد 1982 (أو قبلها تل الزعتر)، أحزاب "مسيحية" ومن ثم "إسلامية"، ولتقطف اسرائيل القطاف، وكذلك سوريا عبر منحها بطاقة دخول للبنان، كان للمقاومة أن تسوّي هندامها، وتخرج من التعدد الى الصوت الواحد: الى الصوت اللبناني بلكنة الطائفة الواحدة: من مقاومة علمانية (الشيوعي، منظمة العمل الشيوعي، القومي السوري، الاشتراكي، المستقل)، الى المقاومة من لون واحد: تغيّر من زمن مديد الى زمن هم أحادي من الزمن الفلسطيني (ورقة الجنوب بيد عرفات) الى الزمن الاسرائيلي (عبر بعض الأحزاب كواجهة) فالى الزمن السوري، فالى الزمن ـ الايراني ـ السوري عبر حزب الله (ورقة الجنوب بيد نظامي الوصاية). وفي مجمل التقلبات كانت الأحزاب المحلية (اليسارية ـ القومية) تريد أن تركب المقاومة الفلسطينية لتغيّر النظام ليواجهها اليمين بركوب الموقف السوري أولاً لاستبقاء النظام ومن بعده الاحتلال الاسرائيلي وصولاً الى ما آل إليه حزب الله: محاولة تغيير المعادلة اللبنانية عبر ركوب المقاومة المرتبطة بالوصايتين: فالتحرير لم يكن دائماً مجانياً وخاصاً بطرد العدو بقدر ما كان أيضاً ذريعة "ايديولوجية" لتغيير النظام أو لتحنيطه: وفي مجمل هذه الحالات كانت المناحي الانقلابية شغالة سواء على الخطوط الاسرائيلية أم السورية أم البعثية أم اليمنية أم القذافية أم الصدامية! كأنما بدا أن مجمل الحروب التي اندلعت قبل عدة عقود جمعت بين "التحرير"، وبين الانقلاب: التحرير عبر منظمة التحرير وسواها وتغيير المعادلة (الصيغة) في موازاة التحرير: وبينهما "الكامخ" أي لبنان، بلا دولة ولا سلطة ولا قرار ولا جيش: الميلشيات تعلن حروبها (كمحميات للخارج)، والناس إما منخرطة بالتضليل وإثارة الغرائز، وإما معتكفة قرفاً وخوفاً… وإما صامدة بصمت وإما مهجرة (الداخل) أو مهاجرة الى الخارج. ولا يمكننا في مثل هذه "التظليلات" حجب ظواهر المقاومة التي واجهت اسرائيل لا سيما المقاومة الوطنية، (صُفّيت على أيدٍ معروفة جداً!)، وكذلك المقاومة الاسلامية (الشيعية) كبديل "موضوعي" من المقاومة العلمانية (العرفاتية)، التي ورثت روح المواجهة من سلفها ومن الناس، والاستنفار، وكان لها أن تحرر الجنوب والبقاع الغربي… وينسحب العدو… وما وقعت به الحركة الوطنية (ومقاومتها)، وحركات أخري لم تتجنبه مقاومة حزب الله: العودة الى تغيير المعادلة بالقوة (الفخ ذاته)، لا سيما بعد ثورة الاستقلال وانسحاب الجيش السوري، وتبدل السلطة: وهنا ازدوجت المقاومة والسياسة، فاختلطتاه، وتمازجت لغتهما الاعلامية والسياسية، بحيث أدرج من يعارض سياسة حزب الله في لائحة الخائن، والعميل؟ وانتقل حزب الله من دور المجابه لاسرائيل الى الدور المنقلب على السلطة والنظام والشرعية والمؤسسات وهذا ما شهدناه وخبرناه في سلسلة الانقلابات العنيفة والدموية التي نفذها أهل 8 آذار وخطط لها الخارج القريب والبعيد: كان مؤتمر الحوار فتوّج بحرب تموز "المظفرة"… والتي كانت ترمق أيضاً الي إحداث تغيير في الداخل، ثم أشكال الغزو والتهويل… والاغتيالات والتهديد وإهدار الدماء… وصولاً الى غزوة بيروت والجبل… والشمال من ضمن المنحى الانقلابي المرسوم بريشة الوصايتين. ثم كان مؤتمر الدوحة… وما تلاه.
هذا الشريط لا يمكن التغاضي عنه في الوصول الى الصفقة التي أبرمها حزب الله (لا الدولة) مع الكيان الاسرائيلي باستعادة الأسرى والجثامين والرفات مقابل جثتي الجنديين الاسرائيليين. وهي صفقة من صفقات بدأت منذ 1991، وكان آخر صفقة كبيرة عام 2004 التي لعب فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري دوراً أساسياً لإنجاحها (ربما كان ذلك أحد أسباب اغتياله!)، عشرون عاماً من الصفقات المعلنة وغير المعلنة في تبادل الأسرى والموتى والشهداء: تبادل الموت مقابل تبادل الحرية: مقابل تبادل الأدوار. مقابل تبادل الأقنعة: ومقابل الصفقات الخارجية الموازية لهذه تبادلات الرماد والموتى والشهداء.
عشرون عاماً تقريباً وقبلها عشرون عاماً وقبلها عشرون عاماً من الحروب، كان لبنان ساحتها الأساسية وكان أبطالها الحقيقيون من الخارج. عال! وإذا كانت توجهت هذه الحروب الدموية وأشكال التقسيم الى تحرير الجنوب ومن ثم الى حركة الاستقلال (كظاهرتين موازيتين مكملتين)، فإن مخاوف كثير من اللبنانيين أن يعقب استعادة الأسرى والشهداء ما أعقب حرب تموز الماضية: أي ارتداد جديد "بحيوية" جديدة، بدم جديد، و"بصدق" جديد، وبوعد جديد، على الداخل لتكون هذه العملية مؤشراً لمنقلبات جديدة، أو لاستقطابات جديدة، أو لتجديد ولاء المقاومة و8 آذار لهذه الولاية الفقهية أو لذلك النظام "الفقهي" الآخر. ذلك ان معادلة الانتصار عند حزب الله (وكذلك عند ميشال عون الذي لم يربح معركة واحدة في حروبه، وكذلك عند "المقاوم الأول" اميل لحود ما غيرو… الذي لم يخض بنفسه لا حرباً سياسية ولا عسكرية: جنرال البطالة لا البطولة)، تعني معادلة الانتصار على اللبنانيين، وتوظيف ذلك للسطو على السلطة، وتجذير "الاقتلاع" الكانتوني، واستبقاء قرار الحرب والسلم خارج الدولة اللبنانية والحكومة (ولو كان ممثلاً فيها).
فهل تتغير المعادلة اليوم: أي توظيف الانتصار باستعادة الأسرى والشهداء لقهر الداخل، وتطويعه، وتخريب الكيان واستباحة الحدود… أم انَّ المعادلة ستتوازن: انتصار لحزب الله يعادل انتصار للشعب اللبناني، والتعددية السياسية، والعمليات الدستورية…
خطاب السيد حسن نصرالله كان فعلاً مُبشِّراً ومنفتحاً وطرياً وداعياً الى طي صفحة التخريب مع طي صفحة الأسرى والشهداء. فهل يكتمل كلام السيد نصرالله بفعل سياسي على الأرض، وهل يكون للشعب اللبناني أن يعبر عن فرحة كاملة لا عن فرحة منغصة بالمخاوف وبنُذُر مجهولة… بمعنى آخر هل سيُبقي حزب الله و8 آذار لبنان ساحة مفتوحة لحروب الآخرين تحت ذرائع "تغيير العالم" أو القضاء على اسرائيل… أو الانتصار العمومي. وهي ذرائع تخفي وراءَها إرادة في استبقاء السلاح الداخلي في خدمة هذه الوصاية أو تلك… تماماً كما كانت أيام الميلشيات التي لم تختلف شعارات بعضها عن شعارات حزب الله.
عاد الأسرى والشهداء فمتى يعود الوطن كله، والاستقلال كله، والسيادة كلها، والانتماء كله؟