تملك السلطة القضائية صلاحيات واسعة تُعينها على "استيفاء الحق بالذات"
إضراب القضاة: مَن يضغط على مَن؟!
الأزمة الكيانية التي وصلت إليها السلطة القضائية في لبنان، لم تعد خافية على أحد، وتالياً يستطيع المراقبون أن يدركوا الخلفية التي دفعت بمجلس القضاء الأعلى ومعه قضاة لبنان الى إعلان الاضراب ليوم واحد.
إلا أن السؤال الذي ضجَّت به الأوساط السياسية والحقوقية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، في ضوء هذه الخطوة القضائية، كان ولما يزل، مَنْ يُضرب ضد مَنْ؟. ومحور هذا السؤال هو معرفة الجهة التي تريد السلطة القضائية الضغط عليها، من أجل وقف حملة التعدي المعنوي والمادي في آن، وتالياً من تراه يملك الأدوات التنفيذية للوقوف عند الرغبة الملحة لمجلس القضاء الأعلى؟!.
وفي هذا السياق، يبدو أن إضراب قضاة لبنان، هو بمثابة "كباش" بين سلطات متوازنة، وهذا يستحيل أن يؤدي الى نتيجة، بمعنى أن القضاء سلطة ومجلس النواب سلطة، ويستحيل أن يتنازل طرف لآخر، طالما أن الدستور يرعى الصلاحيات، وما ينطبق على وضعية القضاء ـ مجلس النواب، ينطبق على وضعية القضاء ـ السلطة التنفيذية (غير المشكو منها، على ما يبدو)، والمسألة تنسحب أيضاً وتلقائياً على وضعية القضاء ـ السلطة الرابعة، بما في ذلك من صحافة وإعلام مرئي ومسموع وإلكتروني.
وفي اعتقاد الأوساط العليمة في البلاد أن القضاء اللبناني، بتراتبية أجهزته، هو الوحيد المؤهل للتحرك ضد ما يشكو منه حالياً، على اعتبار أن صلاحياته حاسمة في هذا الاتجاه.
وتُلفت هذه الأوساط الى وجوب إطلاق نقاش عام حول الخطوة القضائية الأخيرة، بهدف تحريك "مؤسسة النقد الذاتي" داخل الجسم القضائي في لبنان، على اعتبار أن المشكلة، أي مشكلة، تبدأ من الداخل لتعود فتنتشر آفة مستعصية في الخارج، في ظل فقدان المناعة.
وتُجمل هذه الأوساط المشكو منه قضائياً، في الوقت الراهن بمكانين إثنين، وهما وفق الآتي:
أولاً، إن السلطة القضائية في لبنان تشكو من سلوكية بعض النواب تجاه القضاة مجتمعين أو إفرادياً، وهي تعتبر أن ذلك ينال من سمعة المؤسسة ويُلحق تشويهاً بسمعة قضاتها.
إلا أن العلاج لا يكون بالإضراب، بل بتحريك الملاحقة المناسبة التي يمكن أن ترتكز إما على انتهاج "المسار التقليدي" أي طلب رفع الحصانة عن النائب المشكو منه، وإما اعتماد اجتهادات جديدة تُسقط الحصانة عن النائب الذي يقترف جرماً بحق السلطة القضائية.
وفي حال لم ينجح هذا المسار بمسلكيه، حينها يلجأ القضاء الى رفع سقف الضغط، وصولاً الى إعلان الإضراب، على اعتبار أن الإضراب، والحالة هذه، يكون محدد الهدف والعلاج.
ثانياً، إن السلطة القضائية تشكو من تهجم محامين عليها، وهذا علاجه بسيط ويتم بالتنسيق بين مجلس القضاء الأعلى ومجلس نقابة المحامين، بحيث يُعطى إذن بملاحقة أي محام يقترف هذا الجرم.
وفي حال لم يحصل ذلك، يكون الإضراب مفيداً، لأنه يمكن أن يُنتج حلاً، سواء بتعديل سلوكية نقابة المحامين أو بتعديل القانون.
وما ينطبق على المحامي، هو أسهل بكثير مما ينطبق على المتقاضين، سواء الموقوفين منهم أم الطلقاء، على اعتبار أن أياً من هؤلاء لا يتمتع بأي حصانة مانعة للملاحقة التلقائية.
وهنا، لا يمكن التوقف طويلاً، عند حصانة الصحافيين في لبنان، على اعتبار أن غرف قضاة التحقيق كما غرفة محكمة المطبوعات، متخمة بالملفات التي يلاحق فيها صحافيون بدعاوى مرفوعة من قضاة بحقهم.
وفي هذا الإطار، يملك القضاء اللبناني صلاحيات واسعة، لا بل حاسمة، في تحريك كل الأجهزة في لبنان، لتنفيذ أوامرها، بدءاً بالأجهزة الأمنية وصولاً الى الأجهزة المصرفية، وتالياً فإن صاحب صلاحية التحريك هو صاحب صلاحية معاقبة من يتلكأ عن التنفيذ.
وبناء عليه، لماذا الإضراب القضائي؟
بصراحة، هي خطوة ليست في مكانها الصحيح، لأنه إذا كان المطلوب الضغط، فهو يمارس بوسائل متاحة لدى القضاة، وإذا كان المطلوب الإعلان عن مرحلة قضائية جديدة، فإنه كان الأجدى توقيف العمل في المحاكم لمصلحة عقد مؤتمر لتدارس سبل تفعيل العمل القضائي، بما في ذلك الشرح للعامة، أهمية وجود هيئة تفتيش قضائي، وطريقة الوصول إليه، والجزم بأن "العصبية المهنية" لا تأخذ مجراها في هذه الهيئة المفتوحة لكل متضرر من قاضٍ أو من محكمة.
وبصراحة أكبر، ثمة من يُعرب عن اعتقاده بأن هذا الاضراب، عمّم لدى اللبنانيين، شعوراً ليس في صالح القضاء، ومفاده أن القضاء اللبناني عاجز عن حماية نفسه، وتالياً كيف يمكن أن نطلب منه حماية الآخرين؟.
على أي حال، وبغض النظر عن هذه السلبيات، لا بد من استثمار الخطوة القضائية إيجاباً، بحيث تنطلق السلطة القضائية في وثبة جديدة تواكب العهد الجديد، بحيث تضع خطاً فاصلاً بين مرحلة ما قبل الاضراب ومرحلة ما بعد الإضراب، مما يعينها على فعل ما هو ممنوع على غيرها القيام به، وهو استيفاء الحق بالذات..