معالجة ملف العلاقات اللبنانية – السورية نقطة انطلاق أساسية لعهد سليمان
تفتح زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم غدا لبيروت صفحة مهمة في الاختبار اللبناني – السوري الجديد الذي بدأ مع اللقاء الاول بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس السوري بشار الاسد في باريس الاسبوع الماضي. هذا اللقاء يعتبر بداية العدّ العكسي لتسوية أخطر مشكلة بين لبنان وسوريا منذ ايلول 2004، عندما فرضت سوريا التمديد للرئيس السابق اميل لحود ثلاث سنوات، ثم اغتيل الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، مما ادى الى انسحاب القوات السورية نهائيا من لبنان في نيسان من العام نفسه على نحو ترك اثارا بالغة لم يظهر تماما ان سوريا تجاوزتها على الاقل ظاهريا، الا اخيراً . ويتعين على العهد الجديد معالجة هذه المشكلة، شرطاً حتمياً لتسهيل مهماته، انما على قواعد جديدة ليس واضحا اذا كانت سوريا مستعدة لها ام لا.
والواقع ان الاوساط الديبلوماسية تترقب بدقة طريقة السلوك السوري في التعامل مع الرئيس سليمان لرصد ما اذا كانت هناك متغيرات فعلية قد طرأت على هذا السلوك نتيجة عوامل خارجية ولبنانية متعددة، ام ان الامر لن يعدو كونه مجرّد طريقة مغايرة جديدة في الشكل ومستمرة في المضمون على نمطها القديم.
وفي اعتقاد هذه الاوساط ان اللقاءات التي عقدت في باريس بتدخل قوي ومباشر من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وبدا معها الجانب القطري مضطلعا بدور العراب المسهّل والضامن لاحتمال فتح الصفحة الجديدة بين لبنان وسوريا، اكتسبت من دون شك اهمية لانها فتحت للمرة الاولى ثغرة في جدار مقفل منذ أكثر من ثلاثة أعوام ونصف عام. غير ان ذلك لا يشكل الضمان الكافي نظرا الى عدم وضوح الاطار الذي رسمته هذه اللقاءات، بما يسمح بانطلاقة سليمة لمعالجة ملف العلاقات اللبنانية – السورية . ولعل الدلالة على ذلك تكرار صدور اشارات متناقضة عن الجانب الفرنسي في شأن اقامة العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا. ففي حين اعقبت زيارة سليمان والاسد لباريس تأكيدات فرنسية تربط الزيارة المرتقبة لساركوزي لدمشق بانطلاق الخطوات الفعلية لاقامة هذه العلاقات كأحد شروط الزيارة، برز تراجع واضح عن هذه التأكيدات في الكلام الاخير لوزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الذي تمنى اقامة هذه العلاقات قبل نهاية السنة الحالية، مما يعني ان ساركوزي وظّف مناسبة قمة "الاتحاد من اجل المتوسط" في باريس لانجاح ما هدف اليه وهو احياء حضور ديبلوماسي قوي في ظل رئاسته. ولكن تعقيدات الازمة اللبنانية – السورية سرعان ما برزت الى الواجهة بعد أقل من أسبوع على هذه المناسبة. وعلى رغم ما كشفه كوشنير من ان لا السعودية ولا الولايات المتحدة ولا حتى القسم الاكبر من اللبنانيين راضين عن الانفتاح الفرنسي على سوريا بالطريقة التي حصلت، مما يحمّل ساركوزي وزرا كبيرا يجعله يحرص على الحصول على نتائج تعاكس هذه الاعتراضات، فان المؤشرات السورية بدت في المقابل، غير مشجعة. فقد تواصلت من الجانب السوري في الايام الاخيرة المؤشرات المتناقضة حول عقبات تقنية تعوق سرعة تنفيذ التبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا، وتتعلق كما قيل بالمجلس الاعلى السوري – اللبناني وما الى ذلك، علما ان توافر ارادة طيبة وصادقة يفترض ان يساعد في القفز فوق الاعتبارات التقنية، اذا صح انها تقنية، وليست سياسية في الدرجة الاولى.
الا ان ما تنتظره الاوساط الديبلوماسية المعنية يتصل بما قاله الرئيس السوري في حديث صحافي قبل يومين، مكررا ما سبق ان قاله مزهوا قبل مدة وهو ان اتفاق الدوحة كرس انتصارا لمطالب سوريا وحلفائها في لبنان. فهل هذا يسمح بالقول ان سوريا باتت مطمئنة بحيث يمكن ان تُقدم على خطوة التبادل الديبلوماسي مع لبنان، ام انها تنتظر ان تتوافر ظروف سياسية اخرى بحيث تفرض مفهوما واطارا مختلفا لهذا التبادل الديبلوماسي الذي يبدو حتى الان مشروطا بالتعقيدات التي يجرى الحديث عنها؟ وهل يحتمل ان يُربط الموضوع بالانتخابات النيابية المقبلة لكي تبني دمشق على الشيء مقتضاه، ام تنتظر ان تبيع هذه الخطوة من واشنطن باعتبار ان الاخيرة تصر على العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا للدخول على خط المفاوضات السورية الاسرائيلية؟ وهذه النقطة لا تستبعدها الاوساط الديبلوماسية المعنية، باعتبار ان سوريا تتطلع الى فتح صفحة جديدة مع واشنطن حتى مع نهاية ولاية الرئيس الحالي، لان انتظارها الادارة الجديدة قد يعني تأخرها سنة تقريبا عن حوار جديد محتمل مع واشنطن. وقد يكون الامر صعبا على سوريا اذا جرت تهدئة الامور بين الولايات المتحدة او بين الغرب وايران. لذلك تبدو الامور متصلة ببازار خارجي اكثر منه ببازار لبناني داخلي، على رغم ان اللبنانيين ينظرون الى الامر من زاوية قدرة رئيس الجمهورية على اطلاق عهده بفتح صفحة جديدة طيبة في ملف شائك او عدم اتاحة الفرصة امامه لذلك. وتاليا، المطلوب مراقبة التطورات الخارجية في موازة تلك التي تحصل في الداخل، والعكس صحيح.