السيف من أجل الأرض لا من أجل السماء

السيف من أجل الأرض لا من أجل السماء

في سفر الملوك الأول من العهد العتيق ان "آحاب لما رأى ايليا قال له: أأنت مكدر إسرائيل فقال له ايليا بل انت وبيت ابيك بترككم وصايا الرب وبسيرك وراء البعليم" (18) ولما استطاع ايليا ان يبرهن ان الرب هو الإله الحقيقي بإنزاله الصاعقة وحرق الذبيحة قتل كهنة بعل مسجلاً انتصاره عليهم. هذه الحادثة الميتولوجية تظهر الصراع بين الإله ايل وبين الإله بعل، أي بين إله المطر والرعد وبين إله الأرض وإله الرعد دعي في بلاد آرام القديمة أو بلاد الشام بالإله ادد أو اد أي الرعد وفيما بعد بحدد أو حد أو الإله الواحد. مما يعني ان الناس لم يعودوا يريدون الاعتماد فقط على الأرض بحسب ما تعطيهم بل يريدون المطر لأنه حيث يكون المطر تكون الأرض خيّرة وبالتالي صار الإله سماوياً وليس أرضياً من هنا فإن ايليا أو (يا أيل) هي الصرخة الجديدة لإله جديد يعتمد على النار "رمزه الصاعقة" كي يبيد كل شيء وكذلك من لا يؤمن به وهو وحده القادر ان يخصب الأرض العذراء فكل الأرض الجرداء هي ملك له وتبقى كذلك لأن لا أحد يخصبها غيره لذا كانت كلمة (بتول) مشتقة من (بيت ايل) أي زوجة أيل وكل من يؤمن ان للإله الواحد ايل شريكاً له يعني انه يزني بأرضه لذا قال اشعيا عن المدينة التي تقبل غرباء عنها ليحكموها أنها مدينة زانية. لذا ارتبط مفهوم الزنى في اليهودية بحكم الغرباء ومن تقبل بغير زوجها حاكماً عليها ورباً لبيتها كانت زانية.

ان صورة ايليا في العهد القديم الذي انتصر على كهنة بعل هي صورة الصراع بين الطبيعة وأهميتها تكمن ان الصراع تحكمه القوة والسيف رممزه لذا اشتهر ايليا بأنه يحمل السيف ليدافع عن الإله ايل وكونه يحمل اسمه فهو يدافع عن نفسه وكونه إله السماء فالسماء ضد الأرض تطلب منها الاعتراف بها انها هي السيدة عليها من خلال انتصار إله المطر والرعد على الأرض الجرداء.

وفي انجيل متى يصرخ المسيح على الصليب قبل ان يلفظ انفاسه "ايلي ايلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني" (متى 27/45) ان ترجمة الانجيلي متى كلمة ايلي بالهي تعني ان المتعارف عليه عند اليهود ان الإله عندهم صار اسمه ايل أي ان يهوه أو (الذي هو) انما هو ايل أي إله المطر والرعد وقد استجاب الإله له فكان برق ورعد، وإذا كان متى يسوق هذه الحادثة "في حين لمم يذكرها يوحنا" كي يذكر اليهود ان المسيح هو نفسه الحي وليذكرهم بايليا الذي خطفته عربة نارية فلم يمت فهو تأكيد على المنحى (الايلوي) نفسه. سيف ايليا ودفاع الإله عن نفسه بالقوة الذي تثبت به متى اليهودي يكاد يختفي عند الانجيلي يوحنا الذي وجد في المسيح صورة الكلمة التي تتجسد بالحق والخير والجمال وقد استطاعت روحانية يوحنا ان تطغى على المسيحيين الاوليين فلم يحملوا سيفاً للدفاع عن الههم ضد الرومان بل استسلموا للموت فرحين مهللين معتبرين ان الجسد يفصلهم عن اللقاء بالله وانهم سوف يعتقدون به وقد ظل المسيحيون كذلك مدة ثلاث مئة عام بعد المسيح. إلى ان اتى قسطنطين الذي وجد ان لاهوتاً متنازعاً عليه بين اساقفة المسيحيين حول الوهيته وانسانويته ووجد ان قراءة متى للمسيح يمكن ان تنتصر على قراءة يوحا فتنشر بين المسيحيين مقولة انه يريد ان ينتصر للمسيح وأن المسيح هو كايليا يجب ان يحمل السيف ليبيد اعداءه فوضع لهم علامة الصليب على الدروع وقال لهم المسيح يدافع عنكم ويحميكم فدافعوا عنه واحموه وخاض الحرب من خلالهم وانتصر مسجلاً أول معركة دموية اعادت المسيحية إلى مفهوميتها اليهودية وكرست انتصاراً صحراوياً بدوياً على الدين الحضاري القيمي الذي بشّر به يوحنا.

وكون الانتصار الدنيوي باسم المسيح يعني انتصار القيمين على هذا الدين رتب قسطنطين الأمور الكنسية وأدخل الرفاهية والسلطة الزمنية وصارت الكنيسة ملوكية تحكم وتصدر الأحكام وصار ما صار من محاكم ومعارك وحروب كلها دفاعاً عن مقدسات المسيح واسم المسيح الذي طالما رفض استعمال العنف الجسدي مكتفياً بالتعنيف اللفظي.

لقد تلقف الآباء القديسون والنسّاك انجيل يوحنا. وراحوا يبتعدون عن البذخ والحكم مفترشين الصحراء داعيين إلى الحب والترفع عن أحكام الدنيا معتبرين ان المسيح أتى ليبشّر العالم بالخلاص من وباء السلطة والتسلّط ومن الامتلاك والتملّك ومن القتل والاقتتال، انه إله السلام والحب وليس إله الحكم والحكّام، انه إله الحياة وليس إله الموتى والموت.

 
لقد اثرت تعاليم الكنيسة كسلطة حاكمة على مفاهيم اللاهوت الشعبي عند الناس فصار ايليا محبوباً عند الناس ومشهور بسيفه وببطشه وقد جاراه في ذلك مخائيل الذي ايضاً يحمل سيفاً ليقتل اعداء الله من الملائكة الأشرار المعاندين للخضوع كما جاراه جاورجيوس برمحه وفرسه ومع ان آباء الكنيسة يعرفون ويدركون ان الملائكة لا تحمل سيوفاً وان الضابط الروماني جاورجيوس لم يحمل رمحاً بل مزّق وسوماً لا أكثر مع ذلك فإن كهنة الكنيسة يسايرون الناس في اعتقاداتهم ويكرّسون لهم التماثيل والصور ترسيخاً لعادات على حساب مفاهيم أساسية للسلام المسيحي والحب المسيحي لأسباب سلطوية واقتصادية وما شابه ويتبارى الوعاظ في عيدي مار الياس بالتكلم عن غيرة ايليا وحماسه ودعوة المسيحيين كي يدافعوا عن دينهم ويثيروا فيهم عنفوان ايليا.

المسيح لمن يؤمن به إلهاً خلص الانسان من التسلّط على اخيه الانسان ودعاه كي يكون الحبيب الذي يجسّد حب الله له فيحب الانسان الآخر ويخدمه بدل ان يركعه ويحكمه، ويجمّل الكون بابداعاته لا ان يحرق الكون من أجل عنفوان زائل، وان ينشر السعادة والفرح لا ان يرمل الزوجات ويثكل الامهات ويفجع الحبيبات، المسيح لا يدافع عن نفسه لأنه ليس مرئياً بالحكام ولا أحد ينطق باسمه بل يعيشه ويلبسه ويحيا به ويتحرك ولممن يؤمن بالمسيح فالمسيحية لا تحمل سيفاً لكن المسيحي المواطن يجب ان يحمل سيفاً للدفاع عن أرضه وحياته ووطنه، المسيحي لا يدافع عن المسيح بل عن نفسه وأهله وعائلته كمواطن وبالتالي فالدفاع والقتال هو لأجل إبقاء حياة المواطن ضد من يسلبها منه والدفاع عن أرض لمن يريد ان يحتلها. الحرب من أجل أن تبقى الأرض لأصحابها، هذا منطق الانسان المواطن، أما الحرب من أجل الله والسماء فهذا في غير محله وموضعه كل انسان في أي وطن كان له الحق ان يعيش كريماً ولا يسمح لأحد أن يسلبه حقه وهو مدعو للدفاع عن هذا الحق بكل الطرق وكل الطرق مشروعة من أجل الحياة، وكل من يعتدي على أرض غيره هو مجرم يستحق العقاب والفناء لا لأنه يعتدي على إله بل على الانسان، ان الصهاينة هم مجرمون لا لأنهم اعتدوا على مهد المسيح بل لأنهم اعتدوا على الفلسطينيين أصحاب الأرض فالأرض مقدسة بأبنائها ولا أرض مقدسة بدون انسان لأن الانسان يقدس الأرض عندما يتفاعل معها ويرويها ويسقيها بعرق جبينه ويفلحها بقوة زنديه ويطعم أولاده منها. المسيحية لمن يؤمن بالمسيح غير المتهود هي دين ايمان وارتفاع بالانسان عن الاستهتار بأي انسان آخر. هي لا تؤمن بالقتل ولا بمنطق الحرب ولا بمنطق السلاح، لكن كل مواطن أكان مسيحياً أو غير مسيحي هو مدعو لان يحارب ويحمل السلاح من أجل أرضه ووطنه وأهله. من هنا لا يعود النبي ايليا صالحاً ليكون رمزاً للدفاع عن الله. بل ان طفلاً فلسطينياً صغيراً يحمل حجراً أو رجلاً يحمل سكيناً أو عجوزاً يحمل عصا للقتال هو اجدى بالرمز للدفاع عن الأرض. لأن السماء لا تحتاج لمن ينبري للدفاع عنها والله لا يحتاج لمن يقاتل عنه انما الأرض والوطن يحتاج لمن يدافع عنهم والانسان المظلوم والمسلوب حقه يحتاج لمن يدافع عنه.

القتال مع الله ومن أجل الله هو استمرارية يهودية لمما كان قبلها من استغلال الحكّام الآلهة لخوض الحرب باسمها، أتت المسيحية لتنهي هذا الأمر بإنهاء الحروب السماوية ونقلها إلى الأرضية لكن سرعان ما عاد الحكّام الأرضيون ليجعلوا من قراءة كتابهم قراءة يهودية استمرت منذ القرن الرابع حتى القرن العشرين حيث حاول المجمع الفاتيكاني الثاني إعادة القراءة لكنه حتى الآن ما زالت الكنيسة تقرأ وتسعى للمقاربة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل