التعايش مع «حزب الله»
اذا كانت هناك حاجة، فقد اثبتت الاحتفالات بإطلاق الاسرى وتسليم الجثامين من شهداء «حزب الله» والفصائل الاخرى، من لبنانية وغيرها، كم بات حجم هذا الحزب مركزياً على الساحة اللبنانية، ليس فقط بالمعنى العسكري، وهو ظاهر إلا لمن لا يريد أن يرى، بل ايضاً بقدرته على توظيف قوته العسكرية في المجال العام، بحيث يستطيع فرض مفاوضات ينفرد بها مع المجتمع الدولي ممثلاً بهيئاته المركزية، مثل الامين العام للامم المتحدة ومنظماته الانسانية كالصليب الاحمر، فيما الدولة تجلس في مقاعد المتفرجين، وتكتفي من الاحتفالات بتلبية الدعوة لمعانقة المحرَّرين عند وصولهم الى المطار.
لم يسبق في التاريخ اللبناني الحديث ان تقدم حزب الى هذا الموقع. هناك احزاب تسلحت وسيطرت على مناطق وفرضت خوّات وحاولت الهيمنة على القرار الرسمي. لكن «حزب الله» يفوق ذلك بالتفاوض من موقع الندية مع جهات رسمية اساسية في العالم، لا تمانع في التعامل معه باعتباره «قوة مستقلة»، من غير أن يرف لهذه الجهات جفن، ومن غير ان تسأل: أين الدولة التي تعيشون عندها من هذه المفاوضات؟ وهل في إمكانها ان ترسل ولو شاهداً على ما يجري، ولو لمجرد الايحاء بأن بان كي مون لا يجري مفاوضاته مع كيان «مستقل» آخر؟!
هذا الوضع الغريب في مفهوم العلاقة بين الاحزاب والدول، يرتب على كل من «حزب الله» والدولة اللبنانية اعباء في المستقبل لا بد من التصارح بشأنها. مطالبة الحزب بالعودة الى العمل السياسي العام، أسوة بالاحزاب اللبنانية الاخرى، وفي حجم مماثل لها، متخلياً عن الموقع الذي بات يحتله داخلياً واقليمياً ودولياً في بعض الاحيان، ليست مطالبة واقعية. لا الحزب في وارد تلبيتها ولا يوجد في الدولة من هو قادر على طرح مطلب كهذا. لقد تحول «العبء» الذي يتحمله الحزب نتيجة المقاومة، كما أحب السيد حسن نصرالله أن يقاربه في خطابه الاخير، الى مشروع لاستنهاض اللبنانيين جميعاً من خلال حثهم على المشاركة فيه. فبدلاً من مطالبة الدولة وبعض اللبنانيين للحزب بالعودة الى «الحجم الطبيعي» الذي يتساوى فيه مع غيره، نجد «حزب الله» يحث الآخرين على الانضمام الى مشروعه، فيصبح برنامجه هو برنامج عمل اللبنانيين كلهم، وبالتالي برنامج عمل الدولة بمؤسساتها كافة. والنتيجة المنطقية لذلك ان «حزب الله» يصبح «الحزب الحاكم»، بمعنى الاهداف والاستراتيجية، بدلاً من ان يكون واحداً من الاحزاب الحاكمة، في اطار حكومة وحدة وطنية، كما هي الحال الآن. مع انه، حتى في هذا الاطار، يملك الحزب قدرة سياسية وعددية داخل هذه الحكومة، على توجيه القرار بالاتجاه الذي يريد، بعد ان استطاع فرض شروط تشكيلها بالشكل الذي يناسبه.
خيار الدولة امام هذا الوضع ينحصر في أمرين: الاستكانة أو المواجهة. المواجهة مصيرها ونتائجها معروفة، وقد جربت الحكومة السابقة للرئيس فؤاد السنيورة شيئاً من هذا العلاج في شهر ايار (مايو) الماضي، وذهب البلد بسبب ذلك الى شفير الحرب الاهلية، فتراجعت الدولة وبقي الحزب عند موقفه. اما الحل الثاني، اي الاستكانة، فيعني العثور على صيغة تعايش تبقي للحزب مشروعه وصيغة سيطرة معينة في مناطق تمدد هذا المشروع، سلاحاً واجتماعاً وسياسة، وتأخذ منه قبولاً بحق الاحزاب الاخرى في المناقشة وابداء الرأي بل المعارضة احياناً، شرط ان لا يؤدي ذلك الى قرار سياسي يلجم مشروع الحزب او يعطله. هكذا يفهم «حزب الله» مثلاً النقاش الذي يعرضه حول الاستراتيجية الدفاعية: اعطونا استراتيجية للدفاع تشبه مشروعنا او تصلح بديلاً منه، او انضموا الى مشروع المقاومة الذي نقوده. وفي الحالتين ليس مطروحاً ولا مقبولاً النقاش حول الهدف الذي ينشده الحزب من وراء هذه الاستراتيجية.
لقد تجاوز «حزب الله» مرحلة الحلول الوسط في علاقته وتعامله مع الدولة اللبنانية، وبات من مصلحة الجميع ترتيب اوراقهم على هذا الاساس، بين المواجهة البالغة الاكلاف والتعايش الذي قد يبقي للدولة شيئاً من حرية القرار.
