لا خوف على الاستقلال من السنة والشيعة
لا يزال الخطاب الفعلي لجماهير كل من فريقي 8 آذار و14 آذار وحتى لعدد من الكادرات القيادية فيهما يختلف كثيراً عن الخطاب السياسي الرسمي. فالثاني يركز على الوطنية والسيادة والاستقلال والعروبة والحقوق القومية والديموقراطية واتفاق الطائف والمشاركة الحقيقية في القرار والسلطة والحكم. في حين ان الأول يقلص دائرة القضايا التي تثير اهتمامه بل يكاد أن يحصرها في اثنين هما الطائفية والمذهبية. ومن أجلهما تستغل كل القضايا الاخرى المذكورة أعلاه على أهميتها الفائقة.
ويكفي للدلالة على ذلك ايراد منطقين اذا جاز التعبير استعملهما كل من الفريقين في المناقشات غير الرسمية الجدية منها وغير الجدية سواء خلال السنوات التي اعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبسبب التطورات التي حفلت بها أو قبل ذلك بكثير. المنطق الأول شدد أصحابه ولا يزالون، وهم للمناسبة مسيحيون وشيعة على عدم لبنانية السنة أو على ضعف لبنانيتهم رغم كونهم مواطنين لبنانيين. ذلك ان انتماءهم الى العروبة كان دائماً أقوى من انتمائهم الى لبنان وطنهم الرسمي. وعندما خفت موجة القومية للاسباب المعروفة احتل الانتماء الى الاسلام الاولوية عندهم وهو للمناسبة الاسلام السني كون المنتمين اليه في العالمين العربي والسني يشكلون اكثر من ثمانين في المئة من مسلمي العالم. أما لبنانيتهم أو وطنيتهم اللبنانية التي بدأت تظهر بقيادة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ايام الوصاية السورية على لبنان والتي كشفت عن نفسها بعد اغتياله بتبني "تيار المستقبل" الأوسع تمثيلاً للسنة في تلك المرحلة على الأقل شعار لبنان أولاً فليست عميقة الجذور وليست فعل ايمان انما كانت ولا تزال رد فعل على النظام السوري البعثي الحاكم وتحديداً على العصبية الداخلية الأقوى فيه التي ليست على "ود" مع السنة عموماً رغم كل الكلام المخالف وعلى اقدامه على تقوية الشيعة في لبنان وتمكينهم من التحول اصحاب كلمة اساسية بل اولى فيه وخصوصاً بعدما تحالف مع ايران الشيعية ومكنها من التحول لاعباً كبيراً وقوياً على الساحة اللبنانية من خلال "حزب الله" الشيعي بعد نجاحه في استقطاب الغالبية الساحقة من الشيعة. ويتهم اصحاب المنطق الأول أنفسهم السنة اللبنانيين بالعمل مع الخارجين الاقليمي والدولي لتوطين اللاجئين الفلسطينيين الى لبنان فيه وغالبيتهم الساحقة من السنة وذلك بغية تعزيز الميزان العددي بازاء الشيعة المختل اساساً وان بنسبة غير كبيرة.
أما اصحاب المنطق الثاني وفيهم للمناسبة مسيحيون وسنة فإنهم لا ينفون التفوق العربي عند السنة على الانتماء اللبناني عندهم في الماضي أي قبل الاستقلال وبعده واثناء الحروب التي شهدها لبنان بين 1975-1990. لكنهم يعزون ذلك الى اسباب عدة منها الممارسة الخاطئة للسلطة أيام السيطرة المسيحية عليها الأمر الذي جعلهم يشعرون ان مواطنيتهم ناقصة وان التمسك بالعروبة واهدافها وطموحاتها ربما يؤمن المشاركة لهم في حكم الوطن او الحقوق الكاملة في وطن عربي أكبر.
لكن هذا الموقف تغير جذرياً لاسباب عدة: منها الممارسة العربية الخاطئة للمفاهيم العروبية التي كانت تغري سنة لبنان مثل الوحدة التي بدا من اول تجربة لها عام 1958 انها سيطرة الكبير على الصغير وانها اقرب الى الوصاية أو ما هو أكثر منها الى الوحدة والمساواة وما الى ذلك. ومنها الممارسة الخاطئة لمفهوم التنسيق والتعاون بين الدول العربية الذي حل مكان مفهوم الوحدة بعدما اسقطتها الانظمة الوحدوية من طموحات العرب وربما من وجدانهم والتي تجلت في لبنان حكماً سورياً مباشراً له والغاء منهجياً لجوهر نظامه ومصادرة لحرياته وتصرفاً بمقدراته واداراته ومرافقه وثرواته وابنائه والتي شاء منفذوها تحويل هذا البلد جزءاً من بلادهم أو بالأحرى محافظة. ومنها تعزيز سوريا وايران الوضع الشيعي اللبناني على حساب الوضع السني. هذه الأمور كلها مع التطورات الاقليمية والدولية جعلت هؤلاء السنة لبنانيين متمسكين بوطنهم المستقل والسيد وعرباً منفتحين على أي تجربة وحدوية شرط ان تكون حضارية وانسانية وديموقراطية. وما ابعد العرب عن شرط كهذا في هذه الأيام وربما في مستقبل الأيام ايضاً. اما توطين الفلسطينيين فأمر يرفضه الجميع بمن فيهم السنة علماً ان الرفض لا يعني ابقاء اللاجئين في حال من الحياة التعيسة والمزرية. وعلماً ايضاً ان مدعي رفض التوطين هم الذين حموا ولا يزالون يحمون السلاح الفلسطيني غير الشرعي وخصوصاً خارج المخيمات ويغطونه.
لماذا هذا الكلام الآن؟
لأن كلاً من الفريقين 8 و14 آذار يتهم الآخر بالتفريط باستقلال لبنان أو يتصرف على هذا الاساس وخصوصاً بعدما بدأ بتنفيذ اتفاق الدوحة بشيء من النجاح الذي عكس رغبة عرّابي اطراف الداخل اللبناني بل رعاتهم في تهدئة معينة. فالأول يأخذ على الثاني وضع البلاد تحت سيطرة اميركا وعربها ولا يتورع عن ضم اسرائيل الى هؤلاء. والثاني يأخذ على الأول اعادته لبنان او وضعه على طريق العودة الى الوصاية السورية ومعها هذه المرة الوصاية الايرانية. والحقيقة الموضوعية تشير الى ان اياً من الفريقين المذكورين ليس ضد استقلال الكيان اللبناني او نهائيته. لكنه مع كيان مستقل يسيطر عليه ويحكم بواسطته الآخرين ويؤمن من خلال ذلك مصالح رعاته في الخارج. والمقصود بالفريقين الشيعة والسنة لأن المسيحيين في كل منهما ومع الاحترام الكامل لما يمثلون ليسوا على المستوى نفسه من القوة مع هؤلاء. هذا اكثر ما يمكن ان يقال على الاقل احتراماً وتهذيباً. لأن الواقع أسوأ من هذا بكثير.
وهذه "الحقيقة" حقيقية، لكنها تبطل ان تكون كذلك اذا استمرت المذهبية ومعها الطائفية في تسيير السياسات والمواقف لأن من شأن ذلك القضاء على الاستقلال واسقاط لبنان ثمرة ناضجة في افواه الطامعين به من اشقاء واعداء وحتى اصدقاء. فالتنوع اللبناني الطائفي والمذهبي وربما بسبب توازنه في الحد الادنى يمكّن السنة والشيعة والمسيحيين من العيش كمواطنين متساوين في دولة سيدة وديموقراطية اذا احسنوا اقامتها في حين انهم في دول اخرى ذات اكثرية اما شيعية او سنية او مسيحية (على استبعاد ذلك) فان المساواة قد تغيب عن معاملة بعضهم المختلف في المذهب أو الدين أو قد تغيب حتى عن المشترك في الدين ولكن المختلف في السياسة.
في اختصار قال السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير اننا سنستمر في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي واي احتلال آخر وذلك يكفي للايحاء بأن لبنان يبقى أولاً عند الشيعة لأن لا عيشاً كريماً لهم خارجه. وأكد قبله سعد الحريري وقادة آخرون من السنة تمسكهم بلبنان المستقل للسبب نفسه رغم اشتراكهم وشعوب عربية أخرى في الانتماء الى مذهب الغالبية. لكن القول وحده لا يفيد، بل الفعل والمرحلة الحالية تصلح لأن تكون تمهيداً للفعل. فهل يستفاد منها؟