Site icon Lebanese Forces Official Website

على عتبة المصالحة … فهل تُفتح الأبواب؟

على عتبة المصالحة … فهل تُفتح الأبواب؟ 

… مرة أخرى يقف اللبنانيون على عتبة مصالحة وطنية، تطوي انقسامات أيام الصراعات والسجالات، وتؤسس لمرحلة وفاقية متجددة، يعود من خلالها الجميع إلى مظلة الدولة، القادرة والعادلة، بعيداً عن عصبيات الطوائف والمذاهب، وعن كل ما له علاقة بحسابات المصالح والخسائر!

غير أن الوقوف على عتبة المصالحة الوطنية لا يكفي، لأن المطلوب بشكل ملحّ وعاجل، هو العمل الجدي والمخلص من كل الأطراف السياسية والحزبية المحلية، لفتح الأبواب على مصراعيها أمام مسيرة الوئام والوفاق، وإزالة كل العقبات والألغام من دروب العودة إلى الحوار والتفاهم على تأكيد الثوابت، وعلى آلية معالجة التباينات والخلافات والفواصل، في القضايا الوطنية والمصيرية التي أشعلت بالأمس نيران الصراعات والانقسامات والمواجهات، والتي من المفترض اليوم أن تُناقش على طاولة الحوار الرئاسية، في أقرب وقت ممكن، بهدف حسم الخلافات وتوحيد الرؤى والاجتهادات·

* * *
والواقع أن ثمة مؤشرات داخلية وأخرى خارجية تشجّع اللبنانيين على سلوك دروب المصالحة، وسحب خلافاتهم من الشارع، والعودة بها إلى المؤسسات الدستورية وخاصة مجلسي النواب والوزراء·

ولعل الإجماع الوطني في المشاركة بفرحة عودة الأسرى وجثامين الشهداء، والذي جسّده الاستقبال التاريخي، الرسمي والشعبي، للأبطال العائدين من الأسر، يعتبر المؤشر الإيجابي الأول في دعم جهود المصالحة الداخلية·

من خطاب السيد حسن نصر الله الذي تميّز بالاعتدال والانفتاح، إلى ردود الفعل الإيجابية والمرحّبة من قادة الموالاة، إلى أجواء الحماس والتلاحم التي سادت مهرجان عبيه في تكريم عميد الأسرى سمير القنطار، وإلى ما سبق كل ذلك من كلام وطني ومسؤول في خطاب الرئيس ميشال سليمان في المطار، كلها إشارات أطلقت موجة من الارتياح الوطني بمسار الأمور، وساعدت على تنفيس أجواء الاحتقان من جهة، وتعزيز مناخات الثقة والتقارب بين خصوم الأمس القريب!

* * *
وجاءت الزيارة – الحدث إلى العراق والتي فاجأ بها زعيم تيار المستقبل سعد الحريري الجميع، لتدعم الأجواء الانفتاحية في لبنان، خاصة في الدائرة الإسلامية التي حوصرت مؤخراً في نيران التوتر المذهبي الذي لامس حدود الفتنة القاتلة·

كما رسمت مبادرة الزعيم الشاب مساراً جديداً لمعالجات بؤر التوتر السياسي والمذهبي ليس في لبنان وحسب، بل وعلى امتداد العالمين العربي والإسلامي من العراق ولبنان إلى الهند وأفغانستان وباكستان، حيث نار الفتن المذهبية تخرج من تحت رمادها لتنفث سمومها السامة في الجسد الإسلامي الواحد·

لقد تجاوز سعد الحريري كل الحسابات المحلية الضيّقة، وطوى أساليب المحاولات العقيمة، وتوجه إلى القمة، إلى القيادة السياسية والروحية للشيعة في الوطن العربي، وفي معظم مناطق التواجد الشيعي في العالم، ليؤكد أن وحدة المسلمين أقوى من الفتنة، وأن سحر الفتنة سينقلب على صاحبه، طالما يدرك المسلمون العرب، سُـنّة وشيعة، أن العروبة التي رفعت راية الدين الحنيف، وأوصلت المدّ الإسلامي إلى بلاد السند والهند، وإلى أواسط أوروبا، بعدما هزمت أمبراطوريات الشرق كلها، أن هذه العروبة هي الحاضن الأكبر للمسلمين، بقدر ما هي صمّام الأمان لكل أبناء الديانات السماوية الذين عاشوا معاً على مدى قرون طويلة من الزمن·

غير أن إصلاح ذات البين محلياً ليس من مسؤولية الحريري وحده، بقدرما هو مسؤولية حزب الله بالذات، الذي كان الطرف المباشر لما آلت إليه الأمور!·

* * *
وتشكّل زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى بعبدا اليوم مؤشراً إيجابياً ثالثاً على استمرار مناخ الانفراجات المحلية والإقليمية، التي تشجّع اللبنانيين على ضرورة الإسراع في خطوات المصالحة الوطنية·

من السذاجة القول إن إتمام زيارة الوزير السوري يعني أن العلاقات بين البلدين الشقيقين عادت إلى أوضاعها الطبيعية، فملف العلاقات اللبنانية – السورية حافل بالمسائل والمشاكل والحساسيات التي زادتها السنوات الأخيرة تراكماً وتعقيداً، وتصحيح علاقات الجارين التوأمين لا يحتاج فقط إلى فترة زمنية معقولة، بل هو بحاجة أولاً وأخيراً إلى نيّات صافية وصادقة من الطرفين، وإلى إرادات قوية وصلبة تُؤمن بقدر العلاقات التكاملية بين الشقيقين والقائمة أساساً ليس على أواصر القربى والتداخل الاجتماعي والثقافي وحسب، ولكن أيضاً على المصالح المشتركة التي تجمع بين الشعبين الجارين·

وإذا كان البعض يعتبر أن معالجة ملف العلاقات اللبنانية – السورية يبقى مسؤولية مشتركة بين الجانبين المعنيين، فإن المصارحة تفرض علينا القول إن مسؤولية الجانب السوري تبقى أكبر بكثير من مسؤولية شقيقه اللبناني، لأن ثمة أوراقاً عديدة في هذا الملف تنفرد دمشق بإمساكها والاستفادة منها في الوقت الذي تراه مناسباً· لا يتسع المجال لتعداد كل الأوراق، ولكن نكتفي بإيراد بعضها وأهمها على سبيل المثال لا الحصر:

إقامة العلاقات الدبلوماسية، ترسيم الحدود بين البلدين، الاعتراف رسمياً بلبنانية مزارع شبعا، ضمان حريّة تجارة الترانزيت عبر البلدين، التزام مبدأ المعاملة بالمثل بالنسبة للرسوم والضرائب على انتقال الأشخاص والبضائع بين البلدين، المساهمة الجدّية بضبط الحدود المشتركة لمنع تهريب الأسلحة والرجال، إعادة تقييم الاتفاقيات المشتركة الموقّعة في فترة التواجد السوري في لبنان··· إلخ إلخ·

إن هذه المصارحة لا تُقلل من أهمية زيارة الوزير المعلم إلى لبنان، والتي هي الأولى من نوعها في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان، وذلك لأن هذه الزيارة مرشحة لأن تكون فاتحة لسلسلة زيارات بين بيروت ودمشق، سيبدأها الرئيس ميشال سليمان باتجاه عاصمة الأمويين في الأسبوع الأول من آب المقبل، على أن يقوم الرئيس بشار الأسد برد زيارة نظيره اللبناني في وقت لاحق من الشهر نفسه، حيث من المرجّح أن يتم الإعلان عن إقامة العلاقات الدبلوماسية قبل موعد زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مطلع أيلول المقبل·

المهم أن يبقى ملف تطبيع العلاقات اللبنانية – السورية بعيداً عن موضوع المحكمة الدولية التي أصبحت مرجعيتها خارج الأجواء اللبنانية – السورية، والأهم أن تشمل الزيارات بين البلدين رئيسي الحكومتين والوزراء المختصين من الجانبين، حتى تكون ثمة دفعة إيجابية حقيقية وفاعلة للعلاقات اللبنانية – السورية على مختلف المستويات بما يحقق مصالح الشعبين الشقيقين، ويحافظ على العلاقات الأخوية بينهما·

* * *
··· وماذا عن المؤشرات الإيجابية الخارجية؟·

الحقيقة إنه من المبكر اعتبار المشاركة الأميركية في المفاوضات الدولية مع إيران حول الملف النووي، والتي جرت الأسبوع الماضي في جنيف مؤشراً إيجابياً، فرغم أهمية إعلان رايس عن تغيير في "السلوك الأميركي" تجاه إيران، والعودة إلى طاولة المفاوضات مع طهران لأول مرة منذ قطع العلاقات الدبلوماسية بعد احتلال السفارة الأميركية في العاصمة الإيرانية في مطلع الثمانينات، فإن التجارب المريرة مع الدبلوماسية الأميركية لا تدعو إلى الاطمئنان، خاصة إذا استحضرنا المشهد الأميركي الذي سبق تنفيذ قرار الحرب ضد العراق سنة 1991 لتحرير الكويت·

فالمفاوضات الأميركية مع العراق بقيت مستمرة حتى الساعة الأخيرة، وكان آخرها لقاء جيمس بيكر وطارق عزيز في جنيف أيضاً، وبحضور دولي، لإبلاغ بغداد بالإنذار الأخير: إما الانسحاب من الكويت أو الحرب·

ويكاد المشهد يتكرر هو نفسه مع إيران، بعد الإعلان عن إعطاء طهران مهلة أسبوعين جديدين للرد على سلة الحوافز الدولية التي تشترط على الجانب الإيراني وقف تخصيب اليورانيوم·

وثمة صعوبة لإجراء مقارنة واقعية بين نتائج الحرب على العراق وتداعيات ضربة عسكرية ضد إيران، ليس على أطراف النزاع مباشرة، ولكن أيضاً على دول المنطقة، وعلى العالم بأسره، في حال تعرّضت طُرق النفط للخطر، الأمر الذي يفرض على الجميع التحلي بالقدر الكافي من الصبر والحكمة في معالجة هذا الملف الخطر على أمن وسلام المنطقة والعالم كله·

* * *
اللبنانيون يقفون اليوم على عتبة المصالحة!·

إما أن يستعجلوا أمرهم، ويفعِّلوا اتصالاتهم وجهودهم وتعاونهم لفتح الأبواب الكبيرة أمام مصالحة وطنية حقيقية، تبدأ بين القيادات وتُعمّم على القواعد الشعبية المغلوبة على أمرها···

وإما أن ينتظروا مجدداً تطورات الصراعات الإقليمية – الدولية وتداعياتها المختلفة على الوطن الصغير··· الذي يبقى ساحة لتصفية الحسابات في زمن الحروب، ومنهلاً لجوائز الترضية في زمن السلم·

Exit mobile version