بيريسترويكا؟… أم شطرنج متعدد اللاعب؟
أخشى ما نخشاه هو أن تتكرر اللعبة مع البيان الوزاري الذي تُعدّه الحكومة على رجاء الإجماع… ثم تجد نفسها مضطرة الى تغطية الاختلاف بإجماع واهم مغلّف بكل ابتكارات لا "البيان" فحسب، بل "البديع" كذلك و"البلاغة" التي لا تبلغ ولا تبلّغ حقيقة!!!
"الحقيقة"، "الحقيقة"، هل نجد أنفسنا مرة اخرى، عندما نتناقش بها في مجلس النواب لا أمام "حقيقة" واحدة بل أمام حقائق متعددة، لكل منا حقيقة… ولكل حقيقة سلاحها "الحاضر الناضر". ظننا لوهلة اننا يسهل علينا رسم "استراتيجية وطنية" لاستعمال كل الاسلحة، ولو تعددت الهويات، وتعدد آلهة الاسلحة ومصادر "وحيها" وشرعياتها.
ولذلك كله، نفيق فنجد أن له نتيجة واحدة: يجتاح كلنا بعضنا البعض في الشارع ولو كنا قد ظننا او ادعينا اننا كلنا أمة واحدة تؤمن بإله واحد ولو تنوع بعض الصلوات… بعضها فقط!
هذه المرة اذا تكرر النزول الى الشارع، فحذار أن نكتشف ان حتى صلاة الله وسلامه على لبنان لن تكفي لانقاذ استقلاله وحريات مواطنيه، ولا حتى شرعية انتساب المواطنين الى دولتهم الواحدة النظام والدستور والحدود.
• • •
ماذا نفعل إذاً لتحاشي ذلك؟
لا نضع بياناً وزارياً يتضمن تعاهداً بأننا نجتمع كلنا على استراتيجية وطنية واحدة ترسم طريقة الدفاع عن لبنان وتوزع أدوار الاسلحة في مقاومة بل "مقاومات" الاعداء، كلهم، من أين يأتون؟
بلى. نحاول، ولكن من غير استعجال ولا عجلة يودعنا إياها الشيطان، أيا تكن الصورة التي يتنكر بها لخداعنا كلنا، وكل واحد منا يظن انه ناجح في لعبة خداع العدو، وهو في الحقيقة يخدع نفسه ويهيىء لسلسلة انتحارات افرادية سرعان ما ستتحول هذه المرة الى انتحار جماعي يساهم في استعجاله كل أعدائنا وبعض "أصدقائنا" وربما بعض "الاشقاء" من حيث لا يدرون وربما لا يريدون!!! ولكن…
• • •
نكرر السؤال: ما العمل؟… نستقيل؟… أوعا، إيانا الاستقالات، فقد اختبرناها، وتبين أنها مستحيلة، وفي أحسن الاحوال تظل وهمية بل شكلية… وهي بالكاد تغطي استمرار الخلافات لكنها لا تغطي ولا تمنع انفجار العنف الذي لا يجدينا نفعا دفن صوره وذيوله، وإحصاءات الشر التي يخلّف تحت أكوام الايادي الممدودة بعضها الى البعض بقصد الوئام… لكنها تنتهي باستمرار الى غير ذلك: الى قطع بعضها بعضاً، ودوما الى مباراة في "الكباش" تمهيدا لاستلال سيوف المبارزة التي تبدأ سريعة ثم لا تلبث ان تنتهي الى محاولات الاغتيال البالكاد يتقنّع!!!
• • •
نعود نكرر السؤال: ما العمل؟
الجواب الذي نردده جميعنا، من غير ان نقول ونتفق على طريقة الانتظام في بدائله – الجواب هو "الحوار". وقد صرحت مصادر مسؤولة متفاوتة الرتب في القدرة على التنفيذ ان رئيس الجمهورية ينوي الاحتفاظ بطاولة الحوار، انما كمرجع لحسم الاختلافات داخل الحكومة وربما داخل مجلس النواب كذلك.
لكن، لماذا انتظار نشوب الخلافات والاختلافات؟ وكلنا يعرف ما هي وأين هي ومن هم أبطالها والدعاة والانبياء؟
فليَدُع اذاً رئيس الجمهورية الى طاولة الحوار في الفترة التي تمتد بين انجاز البيان الوزاري "على علاته" ولو انتهت الصياغة الى أشكال وتعابير متنوعة… فالحوار هو النتيجة "العملانية" الطبيعية للتنوع والاختلاف. وفي القوانين الداخلية والدولية كُتب وكُتب عن طريقة "تسوية النزاعات سلمياً". وأولى الوسائل السلمية هي الحوار، الشفهي، الخطي، المباشر و"بالواسطة"(أي الوسطاء) وقد تألف منهم أفرقاء يمتهنون ذلك، وتعترف بهم الدول حكومات ومجالس ومحاكم!
والذين منا ذاكرتهم جدية يعرفون، وقد تأتي ساعة يعترفون – فيجرّ اعترافهم – الى اعتراف أبطال "الخلاف والاختلاف" وقد تعاهدوا جميعا، ودون حاجة الى أي وسيط او الى من يضغط عليهم حافزاً أو رادعاً.
والسادة "أمراء الحرب" الذين لا يحلو لبعضهم ان نسمّيهم بهذه الصفة كانوا أول من قدّم بعض الخطط المكتوبة، وبصراحة بليغة لطريقة الوصول الى الاستراتيجية المطلوبة والموعودة، وثمة من وزّع نسخاً من اقتراحاته والخطط المقترحة بالتفصيل على الاعضاء الذين طلبوا نسخاً.
وفي مطلق الاحوال، أظن أنه من المناسب أن أسجّل في هذا المقام أن احدى هذه الخطط اختلفت عن بقية الخطط في انها لم تكن خطة "عسكرية" ولا "ميليشيوية" بل صورة عن تقرير أو محضر لجنة وضعت رؤية متكاملة للمجتمع المقاوم حتى لا نقول "مجتمع المقاومة"، عسكرياً ومدنياً واقتصادياً بل وثقافياً.
وأذكر جيداً ان الرئيس بري عند تسلّمه صورة المحضر او التقرير، وعلى أحد هوامشه بعض الملاحظات الخطية، حدّق فيّ جيداً وقال نصف متسائل: "هذا خط سماحة الامام موسى الصدر!" فوافقته قائلاً: "نعم انت تعلم ان اللجنة كانت تعمل في كنف سماحة الامام وباشتراك ممثلين عن فئات سياسية وطائفية مختلفة وباشتراك مستشار عسكري او ربما اكثر من واحد انتدبهم الجيش". وأظن ان هذه الوثيقة شأن بقية الخطط لا تزال محفوظة لدى رئاسة مجلس النواب التي كانت تنظم محاضر حرفية بالاجتماعات وأظن أن ثمة كذلك تسجيلات صوتية لكل المشاورات والمناقشات. ولا أظن ان الرئيس بري يمتنع عن وضع هذه الوثائق في متناول رئيس الدولة ومن يجري الاتفاق على ائتمانه عليها.
زائد هذا الامر، ان ما شجعنا على استذكار دور الامام موسى الصدر هو النداء الذي أطلقه السيد حسن نصرالله في ختام خطبته الاخيرة، داعياً الى العمل على استعادة سماحة الامام "حياً أو ميتاً"، وتجاوز مؤامرة الصمت حول احتفائه والسعي الى معرفة حقيقة ما حدث منذ ثلاثين سنة، ومن يدري فقد نشك بأن خطته للجنوب ليست غريبة عن اسباب اختطافه ثم اخفائه.
• • •
يسوقنا ذلك الى تناول وضع السياسة الدولية وتطوراتها من حولنا وحول باقي الدول العربية ولا سيما الشقيقة سوريا، لنقول ان اعادة العمل بلجنة الحوار، بل ان احياءها له ابعاد وفوائد غير التي ذكرنا. فمناقشاتها قد تفسح المجال، في سرية لا يمكن ان تتمتع بها أي مناقشة برلمانية. ومن الممكن دعوة مشاركين من داخل الحكومة ومجلس النواب لعراقتهم في معالجة أو متابعة السياسة الدولية ومعرفتهم بقواعدها.
وهنا لا بد من التشديد على قاعدتين او ملاحظتين: الأولى انه لا يمكن ترك زمام تقرير السياسة الخارجية في عهدة وزير واحد أياً يكن، قد يجنح به ميله "العقائدي" الى التأثر بهذا او ذاك من اللاعبين الذين تتكاثر مبادراتهم وكلها حبلى بمفارقات نذكر منها: التقارب المفاجئ بين تركيا وايران، بالذات في الوقت الذي "يبشروننا" فيه باقتراب الوساطة التركية بين سوريا واسرائيل الى شيء من النجاح (مبروك) علماً بأن ثمة معاهدة عسكرية بين تركيا واسرائيل كان يمكن ان تجعل دور تركيا كوسيط موضع طعن، وعلماً كذلك بأن بين سوريا وتركيا قضية عالقة من زمان يقال ان دمشق تنتظر الوقت المناسب لإثارتها هي قضية لواء الاسكندرون السليب ومدينة الله أنطاكية. ومما يعقد قواعد لعبة الشطرنج هذه، المتكاثر لاعبوها ومنهم الرجل الثالث في الخارجية الاميركية السيد بيرنز، وكأنه افتتح على حسابه الخاص مفاوضات مباشرة مع ايران
.
ولعل أذكى المبادرات الفارسية الطابع هي تصريح وزير الخارجية متكي بأن طهران ترحب بدخول سوريا فريقاً في العمل على تقارب بين طهران والغرب. وفي نظرنا ان ذروة الذكاء الدبلوماسي هي الحؤول دون تقارب سوريا من الغرب ولو كان اوروبيا فقط، بينما ايران تصبح هكذا مجرد موضوع مفاوضة (أو ربما مقايضة).
والملاحظة الثانية التي نود التوجه بها الى صاحبي المعالي وزيري الخارجية فوزي صلوخ ووليد المعلم، الآتي الينا صباح هذا اليوم بغصن زيتون، نرجو ألا يكون يظن انه يحكي بقايا ستالينية، التي زالت مع البريسترويكا وزال معها زمن السياسات الخارجية العقائدية المبطنة بالتهويل الديكتاتوري.
يزيد في حراجة موقف بقايا الستالينيين أن الامبراطورية الاميركية في الشرق الأوسط الجديد قد سقطت هي الأخرى بفضل "التصدي" الاسرائيلي لشعار "سلام الدولتين" الذي رفعته واشنطن في أنابوليس وأسقطته اسرائيل بكل تصرفاتها، بما فيها جبل الفساد الذي يقف عليه رئيس حكومتها أولمرت.
• • •
هل ينام لبنان في ظل شبكة العنكبوت التي تنسج حوله متكئة على جدار الظلم الاسرائيلي المتمرد على كل حساب.
واحد تمرد على ذلك فجأة هو الشيخ سعد الحريري عندما أثبت أن في وسعنا تجاوز سوريا إلى حيث هي الأزمة العربية، بل الاسلامية في أبشع وجوهها من العراق المتفجر والذي كان يمكن إذا استمر تفجّره أن يفجر العالم العربي والاسلامي على جبهتين، الجبهة المذهبية والجبهة الارهابية.
وقد اثبت السيد علي السيستاني أن ثمة في العراق موقعاً شيعياً في وسعه تلقف "الرسالة اللبنانية" التي نخالها تجمع بين وصية البابا بولس الثاني وكلام المرحوم الإمام محمد مهدي شمس الدين في "وصاياه" حينما تحدث عن حاجة العالم العربي بل العالم الاسلامي في كليته إلى المسيحيين العرب.
