#dfp #adsense

ثلاثة مسارات تتنازع اتجاه المرحلة المقبلة في لبنان: هدنة مرحلية… أم هدوء طويل… أم تسوية حقيقية?

حجم الخط

ثلاثة مسارات تتنازع اتجاه المرحلة المقبلة في لبنان: هدنة مرحلية… أم هدوء طويل… أم تسوية حقيقية?

لم يكن الكلام الذي قاله وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير عن "عدم الحماسة" لدى بعض الدول العربية للتقارب السوري-الفرنسي من خارج سياق منطق الأمور الذي يحكم العلاقات المتوترة بين تلك الدول وسورية, خصوصاً أن الدول المذكورة تراقب المحاولات السورية لتفكيك الطوق المضروب حولها سياسياً عربياً ودولياً بطرق الأبواب الفرنسية, بعد أن حاولت مراراً طرق الأبواب العربية الموصدة بوجهها, مواربة بالواسطة المصرية, أو نكاية عبر البوابة القطرية وغيرهما, علما ان بعض تجليات تلك العلاقة تنعكس على الساحة اللبنانية بشكل او بآخر, ما يطرح أكثر من تساؤل حول وجود خطر على التسوية في لبنان.

في القراءات الأولى لهذا الوضع, فان مسألة لبنان لا تزال قيد البحث, وأن الخطر على سقوط التسوية قائم, وأن احتمالات اجهاض التسوية التي أنتجها اتفاق الدوحة لديها حظوظ قوية, وهي في سباق مع الجهود الفرنسية لعزل الوضع اللبناني عن التجاذبات العربية-العربية والاقليمية-الدولية.
ويؤدي هذا الاستنتاج الى اقتناع بأن التسوية في لبنان معلقة, وأن الهدوء الذي يحكم الوضع الآن هو أكثر من هدنة بخطوة واحدة فقط قابلة للسقوط, بل ان مقومات صمودها غير متينة وركائزها غير مستقرة, باعتبار أن صياغتها تمت في الوقت الأميركي الضائع, حيث تنشغل الادارة الأميركية بالتحضيرات المحمومة لمعركة الانتخابات الرئاسية.

 
لكن قراءات أخرى تبدو أكثر تفاؤلاً بالوضع اللبناني من حيث الاتجاه الجدي لتحويل الهدنة الى هدوء, والهدوء الى تسوية, والتسوية الى حل في مرحلة لاحقة.

ومن الواضح أن تضارب الاتجاهات التي تحكم مسار الوضع اللبناني, ينتج عنه تضارب في الاستنتاجات وكذلك في العمر الزمني المتوقع لمرحلة الهدوء, فضلاً عن مصير التسوية وعلامات الاستفهام حول مصير الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان.

وتتنازع المسار اللبناني ثلاثة خيارات لكل منها مبرراته وحججه, والوقائع التي يمكن الاستشهاد بها لتعزيز هذا الاتجاه أو ذاك:
1- مسار يؤدي حكماً الى أن المرحلة التي يعيشها لبنان اليوم هي ترجمة لقرار أميركي بتبريد كل الملفات الساخنة في العالم, كي لا تشكل أي ضغط في السباق الانتخابي نحو البيت الأبيض, ولهذا يجري صياغة هدنات موضعية في كل من العراق وفلسطين ولبنان, مع ابقاء المشكلات معلقة في انتظار معرفة نتائج الانتخابات الأميركية وشكل الادارة المقبلة وطريقة عملها وخططها الستراتيجية, التي ستعيد طرح كل الملفات على الطاولة لاستعادة زمام المبادرة فيها والامساك بأوراقها.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن أياً من مشكلات المنطقة لم يدخل مرحلة الحل, وانما جرى تجميدها بكل ما فيها من عناصر التفجير الكثيرة, وأن كل العناوين الكبرى لم توضع على الطاولة بجدية واضحة حتى الآن, وأن كل ما يجري هو ملهاة لتقطيع الوقت الباقي على الانتخابات الأميركية ومجيء الادارة الجديدة التي تستطيع ابرام اتفاقات قابلة للحياة, وهذا ما يتحدث عنه صراحة الرئيس السوري بشار الأسد الذي قال علناً انه ينتظر الادارة الأميركية التي ستأتي حتى تأخذ المفاوضات بينه وبين اسرائيل منحى جدياً بالمباركة الأميركية التي لا ينفع برأيه أن تأتي من هذه الادارة المنهكة.
كما أن الملف الفلسطيني يجري تعليقه وليس حله, خصوصاً أن أي اجراءات جدية لم تحصل لمصالحة بين رئيس السلطة محمود عباس ومن خلفه حركة فتح مع حركة حماس, وقد ترجم رفض حصول تلك المصالحة في محاولات جمع عباس خلال زيارته الأخيرة لدمشق مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل المقيم في العاصمة السورية.

2- مسار يقود نحو قناعة بأن صياغة التسوية الحالية في لبنان أخرجت بعض الدول العربية من دائرة القرار في الملف اللبناني, وهي قبلت على مضض بها عندما وجدت أن رفضها يهدد وحدة لبنان ويلوح بشبح الحرب الأهلية, الذي بدأت بشائره تطل من أكثر من منطقة لبنانية للضغط على حلفاء هذه الدول في لبنان من اجل اجبارها على التنازل ودفعها الى التراجع, وقد تجلت تلك الضغوط الأمنية بشكل مباشر في أحداث مدينة طرابلس في شمال لبنان أخيراً بين العلويين المدعومين من سورية بشكل علني وبين القوى الأخرى في المدينة التي تتأثر بشكل أو بآخر ببعض هذه الدول.

ويقول أصحاب هذا الرأي أن هذه المواجهة جرى تعليقها أمنياً في لبنان راهناً في انتظار ظروف أخرى لن تكون بعيدة, تسمح لهذه الدول بالعودة الى الامساك بالورقة اللبنانية, خصوصاً أن لديها ما يكفي من الحضور الدولي والنفوذ الاقليمي والتأثير على شرائح وقوى سياسية عديدة في لبنان, تسمح لها بالعودة الى الامساك بزمام المبادرة التي خسرتها بعد الاجتياح العسكري الذي نفذه "حزب الله" لبيروت في السابع من مايو الماضي, والذي تسبب أيضاً بانتاج الهدنة الراهنة على شكل تسوية مرحلية.

ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن الارتباك الأميركي الحالي لا بد أن ينتهي بعد أربعة أشهر, خصوصاً اذا كان الآتي الى البيت الأبيض هو مرشح الحزب الجمهوري جون ماكين الذي يعتبر استمراراً لسياسة الرئيس الحالي جورج بوش, من دون أن يعني ذلك أن مجيء المرشح الديمقراطي باراك أوباما سيقلب الستراتيجيات الأميركية التي لا يضعها شخص, وانما تقررها الدولة والادارة وينفذها الرئيس وان اختلفت أساليب التنفيذ.

3- أما المسار الثالث فيبدو غارقاً في التفاؤل بأن لبنان دخل فعلاً مرحلة جديدة عنوانها التسوية التي أنتجها اتفاق الدوحة شكلاً, وان كانت التسويات الاقليمية والدولية هي التي هيأت من خلف الستارة الظروف المناسبة لانتاج هذه التسوية.

وبحسب المتحمسين لهذا التفسير, فان فرنسا حظيت بتفويض أميركي كامل ووكالة مفتوحة لمعالجة عدد من الملفات في المنطقة, ومن أبرزها الملف اللبناني وتشابكه مع ملفات المنطقة الأخرى.

واستناداً الى تلك الوكالة الأميركية الممنوحة لفرنسا جرت صياغة اتفاق الدوحة باغراءات قدمت الى سورية تتعلق بانفتاح أوروبي كبير وبضمانات مرتبطة بمسار عمل المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري, والجرائم الأخرى التي حصلت في لبنان منذ محاولة اغتيال الوزير السابق النائب مروان حمادة.

واستناداً الى هذا الرأي, فان ملف لبنان وضع فعلاً على طريق الحل, وأن من لم يدرك ذلك الى الآن فعليه مراجعة ما يحصل في المنطقة ولبنان, ووفقاً لذلك, فان من سيحاول عرقلة مسار التسوية في لبنان سيكون الخاسر الأكبر, لأن قطار الحل انطلق بزخم كبير وأن الأمور تغيرت كثيراً عما كانت عليه, وهو ما عبرت عنه بوضوح وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي تحدثت عن "تحول سياسي تتبعه واشنطن منذ بعض الوقت".

وفق تلك المسارات الثلاثة يبدو لبنان في انتظار حسم الخيارات التي تتنازع اتجاهاته, والتي ربما لن تحسم في وقت قريب, وان كان المرجح أن تستمر حالة الهدوء هي السائدة في الأشهر المقبلة أياً كان المسار الذي سيسلكه لبنان, الا اذا حصلت منعطفات خطيرة تطيح مرحلة الهدوء التي تفرض نفسها على كل المجريات الداخلية, ومن بينها البيان الوزاري الأول للحكومة الجديدة.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل