#dfp #adsense

ثورة الأرز تستكمل إنجازاتها وتنسى أن .. تحتفل

حجم الخط

سليمان يبدأ بتكريس "الندّية" في التعامل بين لبنان وسوريا
والتبادل الديبلوماسي ليس مسألة عابرة في مسيرة تثبيت استقلال لبنان
"ثورة الأرز" تستكمل إنجازاتها وتنسى أن .. تحتفل
 

يوجّه وزير الخارجية السورية وليد المعلم، اليوم دعوة الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لزيارة سوريا في "القريب العاجل"، وفق ما اتفق عليه سليمان مع نظيره السوري بشار الأسد، في باريس على هامش مشاركتهما في قمة اتحاد دول البحر المتوسط.

وعلى الرغم من "بروباغندا" التيئيس التي يعتمدها الإعلام السوري في لبنان وسوريا، فإنّ ما يحدث على خط بيروت ـ دمشق، إنّما يندرج في سياق تنفيذ ما تبقى من مطالب رفعتها "ثورة الأرز" واعتمدها المجتمع الدولي في قرارات صادرة عن مجلس الأمن.

اعتبارات ذلك كثيرة، وهي تبدأ بشكل الزيارة الرئاسية اللبنانية المزمعة لسوريا، وتمر بما اتخذته قوى الأكثرية اللبنانية من قرارات لمصلحة "تطبيع" العلاقات بين لبنان وسوريا، لتتطابق مع مفهومها المكرّس في "وثيقة الوفاق الوطني" في الطائف، وصولاً الى جدول الأعمال التي تتميّز به.

فعلى مستوى الشكل، هذه المرة الأولى التي يضطر فيها الرئيس السوري بشار الأسد الى مراعاة البروتوكول في طريقة توجيه الدعوة الى رئيس لبناني، لزيارة سوريا.

حتى الأمس القريب، كان الأسد يكتفي باستدعاء هاتفي أو عبر موفد أمني، وتبقى الزيارة "شبه سرية" الى أن يكشفها الإعلام من داخل الحدود السورية.

هذه المرة، وعلى الرغم من اجتماع الأسد بسليمان، مرتين في باريس، فإن دعوة الرئيس اللبناني، بقيت مجرد فكرة حتى تكتمل صياغتها البروتوكولية، وهذا ما يتكرس اليوم مع وصول المعلم الى القصر الجمهوري اللبناني.

وتكريس البروتوكول في التعامل بين لبنان وسوريا على حساب "عرف" زمن الوصاية، يُحسب للرئيس سليمان، الذي تصرف، في باريس، ومنذ اللحظة الأولى، بحصافة تُحسب له.

وإذا كان وليد المعلم قد اعترض على عبارة "العلاقات الندية" التي وردت في خطاب القسم للرئيس سليمان، لأسباب تتصل بخلفية سورية ترفض إعطاء لبنان حق الندية في العلاقة معها، فإن مجيئة البروتوكولي، اليوم الى بيروت، موفداً من الأسد الى سليمان لتسليمه الدعوة الى زيارة بلاده، إنّما تشكل، رمزياً، تراجعاً "قسرياً" عن رفض "الندية".

ولا يستطيع النظام السوري الإدعاء بأن "تنازلاته "ناتجة عن "هوية" رئيس الجمهورية، ذلك أن الرئيس ميشال سليمان لم يكن على لائحة المرشحين المفضلين لسوريا التي عملت، في الفترة الفاصلة بين ترشيح قوى الرابع عشر من آذار له وبين انتخابه، على تمرير أسماء أخرى الى فرنسا عبر قطر، كما أن أدواتها في لبنان كانت تناور باسم العماد ميشال عون وعينها على "ديمومة" الفراغ حتى تنضج ظروف المجيء بـ"دمية" جديدة الى القصر الجمهوري.

هذا مع العلم أن النظام السوري حين ينجح بتنصيب "دمية" في القصر الجمهوري، إنما يستدعيها الى لعب الأدوار القذرة، ويكفي أن يتخيّل المراقبون المشهد اللبناني لو كان اميل لحود مكان ميشال سليمان في باريس، حينها، لكان لبنان نسف القمة الرباعية في الإليزيه، ولكان المؤتمر الصحافي قد شهد تبريراً لبنانياً لكل ما تقوم به سوريا وما لا تقوم به، ولكان الرئيس اللبناني قد هرول الى سيارة الأسد، بدل أن يستقل الأسد سيارة الرئيس اللبناني، ولكانت الأصابع قد جالت على خد الكرامة اللبنانية، بدل أن يصل وليد المعلم الى بيروت، احتراماً لبروتوكولات رئاسية.

أما على مستوى موقف "ثورة الأرز" من العلاقات اللبنانية ـ السورية، فإن قوى الرابع عشر من آذار لم تربط، يوماً، "تطبيع" العلاقات اللبنانية ـ السورية لا بالتحقيق الدولي في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولا بالمحكمة الدولية، بل كانت تنظر، دائما بطريقة منفصلة الى هذين الملف.
وهذه الوقائع، يُدركها كل من يتذكّر أن الرئيس فؤاد السنيورة زار، دمشق، غداة تشكيل الحكومة الأولى التي ترأسها، في تموز 2005، وحاول، مراراً أن يزورها لاحقاً، ولكن على قاعدة "الاحترام المتبادل"، كما أن طاولة الحوار الوطني في العام 2006 التي كانت تضم القيادات الأساسية في لبنان ومن بينها، بطبيعة الحال، الزعيم الشاب سعد الحريري، أقرّت مبدأ فصل العلاقات اللبنانية ـ السورية عن مسار التحقيق الدولي.

ومن المفيد أن يتذكر الجميع، من دون استثناء، أن الرئيس السوري بشار الأسد، وفي ظل إبعاد دمشق عن المواقف الإعلامية والسياسية في لبنان، هو من عاد ففتح الحرب على قوى الرابع عشر من آذار عموماً وعلى الأكثرية النيابية خصوصاً، وذلك غداة إعلان وقف الأعمال العدائية التي وضعت حداً للعدوان الإسرائيلي في تموز 2006، وذلك حين سارع الى مطالبة "حزب الله" باستثمار "الانتصار العسكري" في السياسة، من أجل القضاء على "المنتج الإسرائيلي" في لبنان، أي قوى الرابع عشر من آذار التي قال الأسد لاحقاً للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون "إن الشعب السوري يكرهها".

ويُفهم من بعض المواقف المتصلة بنقاشات لجنة البيان الوزاري أن مسألة العلاقات اللبنانية ـ السورية، وفق توصيفها في اتفاق الطائف، قد مرّت بسرعة ومن دون "كباش".

أما على مستوى جدول الأعمال، فإن النظام السوري وجد نفسه، للمرة الأولى، أمام استحقاق التبادل الديبلوماسي مع لبنان. وهذه المسألة، على الرغم من اعتبار كثيرين أنها لا تقدم ولا تؤخر، تمتلك ميزة الجوهرية، لأنها تتناقض مع مبدأ سوري ثابت في التعاطي مع لبنان، على أساس أنه كيان مستقل قانوناً حتى إشعار آخر، ولكنه كيان تابع الى الأبد.

وحين بدأ تنفيذ اتفاق الطائف، لم يذهب النظام السوري إلى نظام طبيعي من العلاقات بين البلدين، بل فرض نظاماً مختلفاً يقوم على مؤسسات مشتركة ظاهرياً وعلى النظرة الأمنية عملياً.

ولم ينبس النظام السوري عبارة التبادل الديبلوماسي بين البلدين، سوى مرة واحدة في العام 2005، وتحديداً حين كان ينظم خروجه من لبنان تحت ضربات "ثورة الأرز"، ولكنه لاحقاً تعمّد صوغ مسار عدائي مع الأكثرية النيابية من أجل إبعاد هذه الكأس المرة عن شفتيه، تحججاً بسوء العلاقات بين البلدين، علماً أنه في العام 2005، حين اكتفى بكلام عابر عن العلاقات الديبلوماسية كان يحكم قبضته على لبنان، سواء عبر رئاسة الجمهورية أم عبر مجلس النواب رئاسة وأكثرية أم عبر الحكومة.

وهذا يعني أن قبول الأسد بوضع التبادل الديبلوماسي بين البلدين على جدول الأعمال، سواء سمّى رستم غزالي أم ميشال سماحة للسفارة لاحقاً، يُعتبر مكسباً تاريخياً للبنان وخسارة تاريخية للتعاطي السوري المستقر مع لبنان المطلوب إعادته الى سوريا الطبيعية.

ولهذا السبب، ثمة من يعتقد بأن أمام الرئيس سليمان مهمة صعبة، لأنه أمام تحدي عدم تقديم أي ذريعة للنظام السوري من أجل التهرب من إقامة علاقات ديبلوماسية على غرار ما سبق أن فعله الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، في أوائل السبعينات، حين باع العرب موافقة لفظية على التبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا، ليعود فيطوي الملف نهائياً، لاحقاً.

ولا يستطيع لبنان أن يقبل بالكلام السوري على عدم إقامة علاقات ديبلوماسية مع غالبية دول العالم، لأن المسألة بين لبنان وسوريا تختلف جوهرياً عنها مع أي دولة أخرى، لأن منطق "البلع" غير موجود هناك وهو متوافر دائماً هنا.

وعلى هذا الاساس، فإن الجميع في لبنان والعالم، يتطلع الى أداء الرئيس سليمان في مسألة التبادل الديبلوماسي، لأن الفرصة المتاحة أمامه تاريخية، فكما وصل الى الرئاسة في ظرف تاريخي، كذلك تتاح له فرصة غير مسبوقة ـ قد تتآكل بفعل عامل الزمن ـ للدخول الى التاريخ من بوابة تكريس استقلال لبنان عن سوريا.

وإذا تحققت هذه الخطوة الجوهرية في العلاقات اللبنانية ـ السورية، فإن الطريق الى استكمال حقوق الدولة اللبنانية المستقلة تصبح معبّدة، بدءاً بترسيم الحدود، لأن منطق التسويف هنا نابع من منطق رفض التعاطي مع لبنان ككيان مستقل، وصولاً الى استرداد جميع المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية "القاتلة" وتوضيح مصير من ظهروا فيها قبل أن يختفوا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل