أجمل من أن يصدق ..
لأنه انعكاس للمرآة الاقليمية ـ الدولية !!
يمكن القول ببساطة إن ما شهده لبنان في الأسبوع الماضي "أجمل من أن يصدق". لكنه كما يحق للبنانيين، بل ينبغي لهم، أن يستبشروا خيرا بالآتي من الأيام (بعد الانتخابات النيابية، تحديدا)، يحق لهم كذلك الآن، بل ينبغي لهم، أن يحتفظوا بحذرهم لسبب جوهري أعاد هذا الأسبوع تأكيده بصورة عملية.. هو ارتهان "تعقيدات" لبنان و"حروبه" وحتى "تسوياته" لتعقيدات المنطقة وحروبها وتسوياتها. تهدأ اقليميا، فتهدأ اذا في لبنان ويحمد اللبنانيون الله كما هو حالهم الآن، وتعود الى التوتر، فلا يجدون أمامهم سوى الاستعاذة من الشيطان!.
ذلك أن عودة الأسرى ورفات الشهداء، تشكيل الحكومة والتئام جلستها الأولى، اجتماع أطياف البلد كلها على أرض المطار في استقبال الأسرى، خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في مهرجان العودة، ولقاء عبيه مع ابنها سمير القنطار، مثلت كلها مشهدا لبنانيا جديدا لم يكن كثيرون يتوقعونه. وهكذا كان يوم الأربعاء في 16 تموز العام 2008 يوما آخر فعلا في حياة هذا البلد، ليس منذ حرب تموز العام 2006 فقط بل منذ شهر آب العام 2004 وما تلاه مما هو معروف للجميع في الداخل والخارج على السواء.
يوم آخر بكل ما في الكلمة من معنى، ولغة أخرى مختلفة الى حد التناقض مع ما سبقها، واذا أمل جديد بيوم آخر جديد يصح فيه القول إنه "أجمل من أن يصدق".
كيف حدث ذلك ؟!، ولماذا ؟!، وأخيرا الى أين من هنا ؟!.
من نافل القول أن "اتفاق الدوحة"، وليس ما سبقه من غزو لبيروت والجبل في 7 و 8 أيار كما يدعي البعض، أعطى الاشارة الأولى الى أن "شيئا" ما في الأفق الاقليمي والدولي حدث وأدى الى ما أدى اليه على الساحة اللبنانية. ظلال هذا "الشيء" بدت جلية في أحد فنادق أنقرة بين مندوبين حكوميين سوري واسرائيلي، كما في الرسائل المتبادلة بين طهران من جهة وباريس وواشنطن من جهة ثانية، ثم لاحقا في الاحتضان العربي والدولي الواسع لمبادرة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الانتقال الى بيروت ثم اصطحاب الفرقاء اللبنانيين الى الدوحة، وصولا الى الحضور الدولي والاقليمي والعربي غير المسبوقة جلسة انتخاب الرئيس ميشال سليمان، ثم في اللقاء في باريس بينه وبين الرئيس السوري بشار الأسد بمباركة كل من أمير قطر والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.
كان تحرك قطر، المشكور والمقدر من اللبنانيين كلهم، تحركا عربيا ودوليا واقليميا فضلا عن كونه تجسيدا لـ" يوم آخر" كذلك على المستويين الدولي والاقليمي. وكان أجمل وأدق ما فيه اعلان الشيخ حمد نفسه عن أن قطر تعرف نفسها وحجمها ودورها. وبرغم ما تلى التحرك من "مناكفات"، وحتى من "كيديات" شخصية ضيقة الأفق، حول المحاصصة في الحقائب الوزارية والمرشحين لتوليها، وكذلك من تضحيات الغالبية لتسهيل التشكيل قبل سفر رئيس الجمهورية الى العاصمة الفرنسية، فمما لا جدال فيه أن المناخ الدولي ـ الاقليمي الجديد هذا كان نقطة التحول الأكثر أهمية وحسما في مسار الأزمة اللبنانية في مرحلتها الأخيرة.
أكثر من ذلك، فبرغم ما قيل عن "التزامن" العفوي، أو المكتوب بمشيئة عليا، بين اتمام عودة الأسرى وعقد أول جلسة للحكومة الجديدة، يجدر تسجيل ان "تزامنا" آخر كان يتم في الوقت نفسه بين كل من طهران ودمشق وبروكسل وواشنطن وأنقرة على النحو الآتي:
أولا: حديث الولايات المتحدة عن استعدادها لفتح مكتب تمثيلي لها في طهران، واعلانها أن ممثلا عن الادارة الأميركية سيشارك في اللقاء الذي تم في جنيف بين وفدي الاتحاد الأوروبي وايران للبحث في الملف النووي الايراني وفي سلة الحوافز التي تجري مناقشتها منذ فترة بين الاتحاد وايران. وكلام الممثل الايراني بعد اللقاء عن التوجه الايراني لتحقيق ما وصفه بكلمة "نجاح للطرفين" )noitautis niw-niw( يعني ما يعنيه في هذا المجال.
ثانيا: توجيه وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي، ومن دمشق بالذات، ما وصفه الاعلام بـ"رسالة نوايا حسنة" الى الغرب، واعلانه أن حكومة بلاده تقدر الدور الذي تقوم به دمشق على صعيد تحسين العلاقات الايرانية مع الغرب، وكذلك للمواقف التي اتخذها الرئيس الأسد، في أثناء مباحثاته مع القادة الأوروبيين في باريس حول الملف النووي الإيراني.
ثالثا: انتقال متكي من دمشق مباشرة الى أنقرة، واعلانه في لقاء صحافي مشترك مع وزير خارجيتها علي باباجان عن دور لأنقرة (على طريقتها بين سوريا واسرائيل) ستقوم به بين طهران وواشنطن، وعن رغبة بلاده في الاتفاق مع واشنطن على افتتاح خط طيران مباشر بين العاصمتين الأميركية والايرانية.
رابعا: كلام وزيرة الخارجية الاميركية كوندواليزا رايس ومتكي، في وقت واحد تقريبا، على "مسار مختلف" في ما يتصل بمشروع طهران النووي وعلى "عدم وجود عداوات دائمة" بين الدول، فضلا عن توقع حدوث "تطورات ايجابية" بعد مشاركة المندوب الأميركي وليام بيرنز في لقاء جنيف.
خامسا وأخيرا: تصاعد وتيرة الكلام السوري على اتفاق سلام مع اسرائيل (بعد 6 شهور أو عامين، وفقا للرئيس الأسد) وعلى مفاوضات مباشرة حتمية في نهاية المطاف، فيما غابت في شكل أو آخر مقولة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد عن "زوال اسرائيل من الوجود" وتوقف حتى التشكيك، كما كان الحال قبل فترة، بامكان نجاح المحادثات بين تل أبيب ودمشق والوصول بها، ولو بعد حين، الى اتفاق سلام.
هل من المبالغة في شيء اعتبار أن هذا "التزامن" الاقليمي ـ الدولي، في التهدئة السياسية الجديدة بين محوري "الحرب الباردة… للآن" في المنطقة، يشير بدوره الى "شيء" ما مماثل يقدم تفسيرا، أو بعض التفسير، لهذا المناخ الجديد في لبنان ؟!.
وهل من المبالغة في شيء كذلك توخي الحذر (وقد بات مقيما لدى اللبنانيين) من أن ينعكس انتهاء زمن التهدئة في المنطقة (فشلا ربما، أو دورانا في الفراغ !) في صورة انتهاء لزمن التهدئة السياسية في لبنان؟!.
يحق للبنانيين، من دون شك، أن يتفاءلوا بأن تؤدي فترة التهدئة الحالية في المنطقة (وتاليا في لبنان) الى نوع من "خريطة طريق" تضعهم على خط معاكس لما كانوا يخشونه طيلة الفترة الماضية: سقوط البلاد في "حرب أهلية" مديدة.
الا أن عليهم، في الوقت نفسه أيضا، أن يحافظوا على قسط كبير من الحذر من احتمالات الأيام المقبلة في المنطقة… وهي ما تزال كبيرة، وخطيرة كذلك، برغم ما يبدو على السطح.