اختصروا البيان الوزاري بنقطتين: انتخابات حرة واقتصاد معافى
لكي تتمكن الحكومة من الخروج سالمة من عملية صياغة البيان الوزاري وتخرج معها البلد من محطة لانتظار والقلق بانتظار تصاعد الدخان الابيض من مدخنة القصر الحكومي، ليخرج الشعب الى الحياة المستقرة بعد طول معاناة وقهر وصبر، عليها ان تحصر بيانها بنقطتين اساسيتين فقط لا غير، الاولى عمل كل ما يلزم لتهيئة المواطنين، في شكل علمي وديموقراطي وحضاري، لممارسة واجبهم الانتخابي في ربيع السنة المقبلة، وفق الضوابط والاصلاحات التي وضعتها الهيئة الوطنية لصياغة قانون انتخاب عصري يرافق تقدم الزمن، ويؤمن للمواطن، تقنيا وسياسيا واداريا وامنيا، الاختيار الحر الواعي، وليس التصويت القطيعي الابله، القائم على الغرائز والنعرات والمصالح الخاصة والديماغوجية وشراء الذمم.
والنقطة الثانية، هي العمل ايضا وبكل الطاقات والامكانات لاستيعاب الازمة الاقتصادية الخانقة التي حولت قسما من اللبنانيين الى زوار دائمين لمكبات النفايات، وقسما آخر الى ضيف يومي على موائد الرحمة والاحسان، والقسم الاكبر الى طالبي القرب والهجرة من مطلق سفارة تقبل طلباتهم للتفتيش في بقاع الله الواسعة عن لقمة عيش كريم، وسقف يحمي مستقبلهم من غدرات الزمان الواقفة ابداً على ابواب هذا الوطن، واحيانا كثيرة النائمة في فراشه، المقيمة في مائدته.
اما البنود الباقية، المتعلق منها بالمقاومة وسلاحها، او بعلاقات لبنان مع سوريا والعالم العربي والعالم اجمع، والخطة الدفاعية، وهوية لبنان ومستقبله ونظامه، والقرارات الدولية والعربية، والاتفاقات والمعاهدات، وكل ما من شأنه ان يخلق اشكالات وخلافات بين الطوائف والاحزاب والعقائد، فيجب ان يحال الى طاولة الحوار المرتقبة في قصر الرئاسة في بعبدا برئاسة العماد الرئيس ميشال سليمان ورعايته وهناك يكون امتحان اللبنانيين، فاما ان ينجحوا فيعيشوا سوية، واما ان يفشلوا، فليفتشوا عندها عن صيغة للعيش غير الصيغة القائمة حالياً.
من حيث المبدأ، الاكثرية الساحقة من الاتفاقيات والمعاهدات والقوانين والدساتير والبيانات الوزارية، تتضمن عن عمد او عن تهرب من حل مشكلة، العديد من الابهامات والرماديات، والتفسيرات المتناقضة والمعاني المزدوجة، والبنود ذات الوجهين، والتعابير والعبارات التي تحتاج دائما الى قاموس او مرجعية، بحيث ان هذه التعميات كانت في احيان كثيرة سببا في نشوء خلافات شديدة بين الافرقاء او الدول، وصلت في بعض الحالات الى الاحتكام للسلاح من اجل تفسيرها.
وهذه حقائق واجهها اللبنانيون في دستورهم وقوانينهم، وفي اتفاقي الطائف والدوحة، وفي البيانات الوزارية، والمعاهدات الدولية، ودفعوا غاليا ثمن غموضها ورماديتها، او مضامينها الملتبسة، ولذلك فان اللجوء الى الاسلوب ذاته في صياغة البيان الوزاري العتيد، لن يكون طريقا الى الحل او التسوية، بل بابا عريضا لتدخل منه رياح الخلافات والتوترات التي اكلنا منها حتى التخمة والاختناق.
ربما تكون بريطانيا العظمى هي صاحبة الشعار الذي يقول ان لا صداقات دائمة او عداوات دائمة بين الدول، بل مصالح دائمة وهذا القول يعكس في هذه الايام حقيقة ما يجري قربنا وعلى حدودنا، خصوصا عندما تردده وزيرة خارجية الولايات المتحدة الاميركية كوندوليزا رايس، فتقول، وقولها موجه الى ايران، ان بلادها لا تعتمد سياسة ان هناك عدوات دائمة بينها، وبين اي دولة اخرى، وكان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قد سبقها الى ذلك بانفتاحه الواسع على سوريا، بعدما كان بينهما ما صنع الحدّاد.
اذا كانت الدول الكبرى والصغرى ملتزمة بهذا المبدأ، وتعمل على تطبيقه عندما تجد ان مصالحها الحيوية والوطنية تفرض اللجوء الى هذا المبدأ، دون ان تسأل عن صداقاتها مع هذه الجهة، او التزاماتها مع تلك، فهل يجوز بعد هذه المواقف لدول تقاسمت الحلفاء في لبنان، ان تغيب عن حساباتنا، عندما نضع بياناً حكوميا، او نشكل حكومة جديدة، او ننتخب رؤساء جمهورية وحكومة ومجلس نواب، او عندما نضع قانونا جديدا للانتخابات وننتخب نوابا جددا، هذه المعادلة التي تؤكد ان المصالح هي الدائمة فحسب، اما الصداقات والعداوات فهي جزء من لعبة الدول الكبرى على حساب الدول الصغرى وشعوبها.
انهوا البيان الوزاري بنقطتين وسطرين، واتركوا الباقي امانة في اعناق القيادات والمسؤولين، فربما في نهاية المطاف قد استوعبوا دروس الدول وقرروا ان يعملوا بهدي المثل القائل: ما حك جلدك مثل ظفرك.