الربيع لا يُختصر ببعض العطر
هل يمكن القول إن زيارة وزير الخارجية وليد المعلم للبنان حاملاً دعوة رسمية الى الرئيس ميشال سليمان لزيارة دمشق تمثل حدثاً ليس بالعابر في هذه المرحلة بالذات؟ ربما للمرة الاولى منذ انشاء الكيانين اللبناني والسوري يصبح موضوع اقامة علاقات ديبلوماسية بينهما جدياً وتحقيقه قريباً، بما يعني ذلك من تأطير وقوننة للاعتراف السوري بلبنان الاستقلال، وإن يكن من خلال المظاهر السيادية.
وللمرة الاولى يأخذ رئيس لبنان أمر الكشف عن مصير مئات اللبنانيين المفقودين او المعتقلين في السجون السورية على محمل الجد. ويعد، على ما يُنقل عنه، بالعمل على اقفال الملف نهائياً، وخصوصاً ان ملف الاسرى اللبنانيين في اسرائيل تمت تسويته نهائياً. والحق انه على رغم اعتبار البعض ان الملفين لا يتشابهان، فإن كثيرين يعتبرون ان ملف المعتقلين والمفقودين في سوريا اشد مضاضة!
وإذا كانت العلاقات اللبنانية – السورية، كما يقول سوريو الهوى في لبنان، تخطو خطوتها الاولى في الاتجاه الصحيح، فان هذا يعني في ما يعني انه لا يزال هناك الكثير الكثير كي يتجاوز أكثر اللبنانيين سلبيات الموقف السوري خلال عقود من الزمن، وبالأخص منذ معركة التمديد المشؤومة للرئيس السابق اميل لحود، ثم اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومسلسل الاغتيالات والتفجيرات والتدخلات المسلحة والمخابراتية التي طالت قادة استقلاليين كباراً، مثلما استهدفت شعباً لبنانياً أعزل جل ما سعى اليه هو ملامسة نور الحرية والتفلت من نير الاحتلالات على اختلافها.
نعم، لا يزال امام النظام في سوريا الكثير الكثير ليقدمه، بدءاً من التزامه وقف محاربة المحكمة الدولية الناظرة في جرائم الاغتيال الارهابية، والتزامه احترام قراراتها واحكامها متى صدرت، وصولاً الى اعادة ابنائنا المعتقلين سالمين الى بلادهم، وكشف مصير المفقودين، احياء كانوا ام شهداء.
وأمام النظام المذكور الكثير الكثير ليقدمه ايضاً، عبر التوقف عن التدخل السلبي في الحياة السياسية اللبنانية، ووقف كل عمل تحريضي في السياسة أو استهداف في الأمن.
صحيح أن اللبنانيين الاستقلاليين يتوقون الى أحسن علاقة مع سوريا، بصرف النظر عمن يكون في الحكم فيها، لكن الصحيح ايضاً انهم لن يقبلوا بتطبيع للعلاقات على حساب فكرة الاستقلال او العدالة. فواهم من يعتقد للحظة ان موقف "حزب ولاية الفقيه" وبقية فئات المعارضة المنخرطة في اطار تحالف سوري – ايراني هو موقف كل اللبنانيين. وواهم ايضاً من يظن ان المعادلة المسلحة التي فرها الحزب المذكور جزئياً يمكن ان تطيح مبادئ "ثورة الأرز" وانتفاضة الاستقلال، وتحرف ملايين اللبنانيين في الوطن والانتشار عن نضالهم في سبيل الحرية والسيادة والاستقلال والعدالة. ولعل اعظم الاوهام اطلاقاً ان يخال احد في لبنان، كائناً من كان، انه بالسلاح والمال والبروباغاندا وحرف الحقائق يمكنه ان يفرض استقالة الاستقلاليين من مسؤولياتهم الوطنية والتاريخية والاخلاقية. فالكيان لا يزال في خطر، ومثله النظام والصيغة، ومعهما نمط الحياة. وكما يقال: الربيع لا يختصر ببعض العطر!