#adsense

هل يحقق سليمان المصلحة التي لم يستطع أسلافه تحقيقها

حجم الخط

هل يحقق سليمان المصلحة التي لم يستطع أسلافه تحقيقها
سياسة الحياد الإيجابي تحافظ على الكيان وتؤمن الاستقرار

هل يكون عهد الرئيس سليمان عهد المصالحة الوطنية الحقيقية الشاملة، وهو ما لم تحققه عهود سابقة رغم ان اتفاق الطائف دعا الى ذلك، وهل يتحقق فيه أيضاً الاتفاق على "اي لبنان نريد" بالحوار الهادئ مهما طال، لأن تحقيقه بالانتخابات النيابية المقبلة يجعل نتائجها تفرز اللبنانيين بين من يريد هذا النظام للبنان ومن يريد نظاماً آخر له، كما ان الاستفتاء – رغم ان الدستور لا ينص عليه – تفرز نتائجه هذا الانقسام أيضاً، بحيث سيظهر غالب ومغلوب نتيجة هذا الاستفتاء.

لذلك، ليس سوى الحوار الموضوعي الهادئ بين ممثلي كل الاحزاب والتيارات، برعاية الرئيس سليمان ما يوصل الى اتفاق وتوافق على اي لبنان نريد".

الواقع أن الرئيس سليمان الذي انتخب بشبه اجماع، كونه رئيساً توافقياً، يستطيع بصفته هذه ان يجعل الجميع، بقوته الهادئة او بهدوء قوته، يتوصلون الى اتفاق وتوافق على نظام للبنان يؤمن له الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي الدائم والثابت، لأن ما من نظام أمّن للبنانيين ذلك حتى اليوم، لا نظام القائمقاميتين، ولا نظام المتصرفية ولا ميثاق 43 ولا حتى اتفاق الطائف، اذ انه كان لكل طائفة دور في تعريض وحدة لبنان للخطر، والعيش المشترك للاهتزاز، فنظام القائمقاميتين لم يمنع وقوع حوادث امنية طائفية، ونظام المتصرفية لم يكن ليدوم ويحقق الأمن لو لم يكن على رأسه حاكم تركي، ما جعل الناس تقول "هنيئاً لمن له مرقد عنزة في لبنان"، لكن هذا الأمن لم يحقق العيش الكريم للبنانيين فكانت بداية هجرتهم. والميثاق الوطني، الذي قال بـ"لا شرق ولا غرب" اي لا مطالبة للمسيحيين بحماية فرنسا ولا مطالبة للمسلمين بوحدة مع سوريا، لم تمض عليه سنوات حتى شرَّق المسلمون فغرَّب عندئذ المسيحيون، وكان من نتيجة ذلك قيام "ثورة بيضاء" بدعم خارجي اطاحت عهد الشيخ بشارة الخوري، ثم حصلت حوادث 58 ضد الرئيس كميل شمعون بدعم خارجي أيضاً وتحديداً مصري – سوري، واستعانت فئة من المسلمين السنة بسلاح الفلسطينيين اللاجئين في لبنان لمواجهة فئة من المسيحيين التي اضطرت للرد عليها بالاستعانة بسلاح خارجي حتى بسلاح اسرائيلي، فكانت حرب الـ75 التي دامت 15 سنة ولم تتوقف الا بدخول القوات السورية الى لبنان بقرار عربي وقبول دولي، وأدى ذلك الى فرض وصاية سورية على لبنان دامت 30 عاماً.

وها ان فئة شيعية واسعة تكرر اليوم الاخطاء ذاتها فتستعين بالسلاح الايراني وبالدعم السوري في محاولة لإقامة دولة داخل الدولة، ونظام يعطي للطائفة، ما تعتبره "حقوقها"، وهو ما حاولت ان تفعله فئة مسيحية، وتحديداً مارونية، دفاعاً عن حقوقها في السلطة وعن صلاحيات لها في الدستور، فكانت النتيجة انها خسرت بعض هذه الصلاحيات في اتفاق الطائف، وهو ما حاولت فئة اسلامية سنية واسعة ان تفعله، تارة بدعم فلسطيني مسلح وطوراً بدعم سوري، فانتهى بها الأمر الى رفع شعار لبنان اولاً، ملتقية بذلك مع الفئات المسيحية، وهو ما جمعها في تحالف قوى 14 آذار الذي يضم تحت هذا الشعار غالبية مسيحية وسنية ودرزية، وبات على فئة واسعة من الشيعة ان تجعل هذا الشعار شعارها أيضاً فيتوحد اللبنانيون عندئذ على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم حول لبنان الواحد الذي لا ولاء إلا له، وان يكون الحياد الايجابي هو النظام الذي يجمعهم ويوحدهم وذلك بالتخلي عن الشرق وعن الغرب، فلا تظل طائفة تستقوي بدولة على طائفة اخرى لتكون هي الغالبة، وتتحين الطائفة المغلوبة الفرصة السانحة لتستقوي بدولة اخرى لتصبح هي الغالبة… وهكذا دواليك، بحيث يظل لبنان ساحة مفتوحة للصراعات المحلية والاقليمية والدولية، فلا ينعم بالهدوء والاستقرار التام أكثر من 10 او 15 سنة فقط.

لذلك، فليس بعد كل هذه التجارب المرّة التي مرّ بها لبنان والحوادث الكارثية التي عانى منها سوى الاتفاق على اعتماد سياسة الحياد الايجابي الشبيه بحياد النمسا، والعمل على تحصين هذا الحياد باتفاق اللبنانيين كل اللبنانيين ثم الاتفاق بصورة خاصة مع الدول المجاورة له، ومع المجتمع العربي والمجتمع الدولي على احترام هذا الحياد وتأمين الحماية له، اذ من دون اتفاق جميع اللبنانيين لا يمكن الحصول على السيادة الكاملة والاستقلال التام الناجز، ولا على أي صيغة لنظام ولا على وحدة وطنية راسخة. فلو لم يكن في لبنان فئة تتّجه نحو الشرق وفئة تتجه نحو الغرب لما استطاع احد التدخل في شؤون لبنان الداخلية، أو كان له تأثير على موقفها. بل كان تأثير كل فئة تأثيراً ذاتياً ينبع من الداخل ولا يستمد قوته من اي خارج.

ان أهم انجاز يحققه عهد الرئيس سليمان في رأي الكثيرين هو في جعل اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم يتفقون على اعتماد سياسة الحياد الايجابي قاعدةً راسخة لعيشهم المشترك ولانصهارهم الوطني ووحدتهم الداخلية، فلا يظل لبنان معرضاً للأخطار نتيجة إبقائه ساحة مفتوحة للصراعات، لا بل "مكبّاً" لكل المشكلات الاقليمية والدولية، وهذا الحياد الايجابي لا يعني عدم التصدي لأي عدوان اسرائيلي او غير اسرائيلي، بل ان يكون له من القوة القادرة على الدفاع عن نفسه وليس للاعتداء على احد، وان يكون لبنان مع العرب عندما يكونون متفقين وعلى الحياد عندما يكونون منقسمين، حرصاً على ابقائه بعيداً عن سياسة المحاور والاستقطاب، سواء كانت هذه المحاور عربية او اقليمية او دولية، فالحياد الايجابي هو مدخل لاستقرار لبنان، على حدّ قول النائب وليد جنبلاط، ولا يتم استخدامه ساحة لتصفية اية صراعات اقليمية او دولية.
وعندما يتوصل اللبنانيون بالحوار الهادئ والجدي الى اتفاق على اعتماد سياسة الحياد الايجابي فان ذلك يكون بداية الطريق الصحيح لإلغاء الطائفية فعلاً لا قولاً، ولا يعود عندئذ من يهتم بمن يحكم لبنان، بل بكيف يحكم، من أي مذهب كان والى أي حزب أو تيار انتمى، لأن الخوف على الكيان الذي كان يبرر توزيع الرئاسات الثلاث على الطوائف يكون قد زال برفع شعار لبنان اولاً وباعلان سياسة الحياد الايجابي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل