"المعلم" عون و"عون" المعلم
مرّة جديدة تثبت سوريا إحترافها لعبة "بيع الكلام وكسب الوقت". فبعد أن استفاد الرئيس السوري بشار الاسد من البوابة الفرنسية ليفتح كوة في الجدار الدولي الذي يطوّق نظامه وراح يفيض من محبته للبنان "الشقيق" واستعداده لحل الازمات العالقة معه، وبالتزامن مع وجود وفد سوري برئاسة رياض الداوودي في واشنطن للقاء مساعد وزير الخارجية الاميركية ديفيد ولش في الساعات المقبلة، ها هو وزير خارجيته وليد المعلم يطل من قصر بعبدا موجّهاً دعوة رسمية في الظاهر للرئيس ميشال سليمان، أما في الباطن فموجّهاً رسالة بين السطور يربط خلالها اي تطور جدي على صعيد العلاقات اللبنانية – السورية بنتيجة الانتخابات النيابية اللبنانية ربيع العام 2009. فهو اعلن بالفم الملآن رداً على سؤال عن إمكان بدء مرحلة ايجابية من التعاطي السوري مع لبنان: "نأمل أن تكون هناك انتخابات نيابية في الربيع المقبل تضع لبنان على سكة الحل الصحيح في وحدة وطنية متكاملة". إنه كسب الوقت بامتياز .
انتظرنا من المعلم ان يذرف دموع التماسيح مع دموع اهالي المعتقلين في السجون السورية، ولكنه بكل فجور ذرف سمّ الافاعي بقوله "إن من صبر أكثر من ثلاثين عاما يستطيع ان يصبر لأسابيع". يُمنّنا انه لم يحضر معه عددا من اهالي المفقودين السوريين في لبنان لكي يتظاهروا ايضاً، ولكن كنا نتمنى ان يسمح لاهالي الآف سجناء الرأي المرميين في اقبية النسيان وعفنة السجون في بلاده برفع الصوت ولو ببيان. وليخبرنا هل هؤلاء السوريون تمّ سحبهم من اسرتهم الدافئة في دمشق وحمص وحماه الى اقبية وزارة الدفاع في اليرزة او سجن روميه؟! وهل قابل اهالي هؤلاء المفقودين ابناءهم في السجون اللبنانية الشرعية او حتى في مراكز التوقيف لدى الميليشيات اللبنانية في زمن الحرب؟! إن اصوات ابطالنا تحت وطأة تعذيب نظام البعث في معتقلات "البوريفاج" و"عنجر" و"الاميركان" و"مار مارون"، ووأدهم في رمال سجون "المزة" و"صيدنايا" و"فرع فلسطين" سوف تلحق رجالات هذا النظام الى قبورهم وتنكّل بضمائرهم.
المعلم جيوبوليتكي من الطراز الرفيع، يشدّد على ان "لا شيء يمنع ترسيم الحدود ويدعو للاخذ في الاعتبار التداخل السكاني بين القرى الحدودية". إنه يعيدنا بالذاكرة الى سعي سوريا-الاسد الدؤوب لتحقيق نظرية "شعب واحد في بلد واحد" بالطبع هو سوريا، وكمرحلة انتقالية طرحها مقولة "شعب واحد في بلدين". لا وألف لا، نحن شعبان في بلدين. شعبان نطمح ان نكون شقيقين ولكن ليس بالاكراه والتبعية بل بالندية. وهل له ان يشرح لنا ابسط مبدأ تقوم عليه اي دولة، وهو "الارض الواضحة المعالم"؟
أما فضيحة الفضائح فقول المعلم "ان وجود القوات الدولية محل القوات الاسرائيلية ليس انهاء لهذا الاحتلال بل هو انسحاب للجنود الإسرائيليين لتحل محلهم قوات الامم المتحدة"، فهل اصبح المجتمع الدولي قوة احتلال؟ ولِمَ لا تنسحب سوريا من الامم المتحدة؟ وماذا يفعل فريق مراقبة الهدنة في الجولان؟
ينطلق المعلم من معادلة "الستة وستة مكرر" ليخبرنا ان "هناك أصواتا في لبنان تقول إن بعض الاتفاقات مجحفة بحق لبنان، كذلك هناك أصوات في سوريا تقول إن هذه الاتفاقات مجحفة بحق سوريا"، فهل نسي انها اتفاقات وقعت تحت "سيف "الغالب والمغلوب" ومقصلة الاحتلال السوري؟ أما ان سوريا جمعية "مار منصور الخيرية" او "كاريتاس"؟!
يمتعض المعلم من سؤال حول "هل عهد الوصاية السورية على لبنان والذي اعتبره كثيرون احتلالاً قد انتهى الى غير رجعة؟"، مذكّراً بالتضحيات التي قدمتها بلاده لانهاء الحرب الاهلية في لبنان، ومعتبراً ان "هذه الالفاظ لم تكن يوما على أرض الواقع حقيقة". نعم قدمت دمشق تضحيات كبيرة عبر لعبها على التناقضات الداخلية في زمن الحرب وسعيها لمسح كل فريق يتصدى لها، وضربها كل مؤسسات الدولة والعبث بالمؤسسة العسكرية، بالاضافة الى نهب مقدرات لبنان الاقتصادية والمالية وتحويله الى "ساحة معركة بديلة" لصراعاتها الاقليمة وورقة سياسية تلوّح بها لزيادة نفوذها.
ولكن "المعلم" عون يسارع الى تقديم "عون" للمعلم، فيطل علينا بعد اجتماع تكتله ليتحدث عن مسألة المفقودين!!! ويكرر التعبير نفسه "المفقودون" عشرات المرات في ما يشبه براءة ذمة لنظم سوريا-الاسد البعثي. لم يجرؤ حتى على الحديث عن وجود "معتقلين" في السجون السورية. يأسف للحادث الذي اصاب مظاهرة أهالي المفقودين، ويصم اذانه لصيحات امهات زرن ابناءهن في السجون السورية وتلمسنهن بعيونهن وايديهن.
وكعادته يحاول الجنرال تضيع البوصلة وحرف الانظار عن الدور السوري في هذا الملف عبر المطالبة "ليس فقط بالمفقودين أو المسجونين في سوريا، بل جميع المفقودين في لبنان أيا تكن جنسيتهم"، ولكن يا جنرال هذا لا ينفي ذاك. وتفننك في التعمية عن حقيقة وجود معتقلين لبنانيين في السجون السورية لن يغير من هذا الحقيقة الناصعة. واعلم انك والمعلم قد تكونان "معلمين" في اختلاق القصص وتعمية الحقائق، ولكن "مش علينا"، ربما فقط على تلاميذك امثال نبيل نقولا الذي سارع على شاشة " المنار" الالهية الى القول: "زيارة الوزير المعلم مهمة كثيراً، وآن الاوان ان نفتح صفحة جديدة مع الشقيقة سوريا وان تكون العلاقة ندية ومتبادلة، فنخرج من الماضي ونتطلع نحو المستقبل لأن هناك اشياء مشتركة بين لبنان وسوريا". حقاً يتفوق التلميذ احياناً على معلمه.