انفتاح عربي واسع على العراق قريباً… والحريري مرتاح الى زيارته
مرحلة هدوء واسترخاء وبعد رأس السنة زمن الانتخابات
توحي كل المواقف السياسية المحلية والمعطيات الاقليمية والدولية هدوءا واسترخاء، أقله في المدى المنظور، سياسيا وأمنيا. وهو هدوء يبدو أكيداً في هذا الصيف، وصولا الى رأس السنة، ثم تدخل البلاد مطلع السنة الجديدة زمن الانتخابات النيابية، ويصبح كل ما يجري انتخابات. وبعدها، كما يقال بعد كل امتحان، "تبيض وجوه وتسود وجوه"، فكيف اذا جاءت بعد سنوات من التحدي "والنكد" والاتهامات المتبادلة والطعن بشرعية أكثرية نيابية من معارضة تعتبرها "وهمية" وتسعى الى أن تكون هي الاكثرية؟
وبناء عليه، يتوقع ان تكون المرحلة المقبلة مرحلة استرخاء سياسي واجازات وانحسار في منسوب الضخ الاعلامي السياسي والحزبي، وهي فرصة للجميع لاعادة النظر في كل ما جرى في المرحلة السابقة وتحديدا في السنوات الثلاث الاخيرة، مع بدء مرحلة جديدة من التهدئة السياسية عند الجميع دون استثناء، في موازاة تطورات متسارعة على غير صعيد، كان آخرها حدث وطني كبير ذو دلالات تمثل بعودة الاسرى اللبنانيين الخمسة من السجون الاسرائيلية ضمن صفقة تبادل شملت ايضا جثامين 199 مقاوما لبنانيين وفلسطينيين بعضهم قضى قبل نحو ثلاثين عاما. وقد أعادت الاجواء الوطنية الجامعة التي رافقت هذا الحدث تصويب البوصلة السياسية عند الجميع دون استثناء، بعدما أضاعها كثيرون.
ولئن رأى البعض في تلاقي الجميع موالاة ومعارضة جنبا الى جنب في استقبال الاسرى المحررين نوعا من الفولكلور السياسي على الطريقة اللبنانية، فان أحدا لم يلزم أحدا المشاركة في الاستقبال اللائق الذي تقدمه رئيس الجمهورية شخصيا ورعاه، وكان حضور بعض أركان الاكثرية النيابية وفي مقدمهم زعيمها سعد الحريري ذا مغزى، اذ أكد أن الخلاف في زواريب السياسة الضيقة، لا يعني تغييراً في الموقف الوطني وفي المفاصل الاساسية. وكذلك كان مغزى حضور رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الى جانب الرئيس ميشال سليمان ورئيس مجلس النواب نبيه بري. خلاصة الامر ان هذا التطور أحدث انقلابا في المشهد السياسي الداخلي وساهم في مزيد من الجنوح نحو التهدئة من الجميع، وقد تجلى ذلك في الخطاب الذي ألقاه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في المهرجان الحاشد الذي أقيم تكريما للمحررين، وعلى رأسهم عميد الاسرى سمير القنطار. وقد تميز عن الخطابين الاخيرين بالهدوء وساهم في ترسيخه وتعميمه على سائر اهل المعارضة، وكذلك على أهل الموالاة وقد نوه معظمهم بمضمون الخطاب.
وثمة تطور آخر على غير صعيد تمثل بالزيارة اللافتة والمفاجئة التي قام بها سعد الحريري للعراق والاستقبال الحافل الذي لقيه ليس فقط على الصعيد الرسمي. ويحكى الكثير عن الاستقبال العفوي الذي لقيه في النجف الاشرف والاثر الطيب الذي تركته الزيارة عند عامة الناس وخصوصا أن بعضهم يعرف أن والدته عراقية الاصل.
واذا كان الحريري يتحدث "برقيا"، كالعادة، عن تلك الزيارة، فانه لا يخفي ارتياحه الى ما سمعه من أوساط رسمية وشعبية، ولا سيما في تأكيد رفض الانجرار الى كل محاولات اثارة الفتنة الطائفية او المذهبية بين المسلمين السنة والشيعة. ويؤكد تكرارا ان المشكلة سياسية والخلاف لم يكن يوما طائفا او مذهبيا، بل هو سياسي ويتخذ البعض من المذهبية قناعا له.
وتتحدث اوساط واكبت زيارة الحريري تلك، بتقدير عال عن "المرجعية الشيعية العربية في النجف" وعن السيد علي السيستاني وعن "وجوه شبه" في المعاناة في بعض الحالات بين لبنان والعراق، أولاها التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية، مشيرة من حين الى آخر الى التدخل الايراني كما الأميركي بطبيعة الحال. ووفق هذه الاوساط فان "العراق يفتقد حضورا عربيا أكبر في العملية السياسية واعادة بناء ما تهدم نتيجة الاجتياح والاحتلال الاميركيين" لافتة الى أن هذا الحضور "يحد من التدخل الخارجي والايراني خصوصا". وتكشف هذه الاوساط عن انفتاح سعودي قريب على العراق، ومن الطبيعي أن يستتبع باقبال عربي واسع من سائر دول الخليج في ما يؤشر الى مرحلة جديدة في العراق تشكل انعكاسا آخر لاكثر من تطور اقليمي ودولي.
وأخيرا، كان من تجليات المرحلة الجديدة والجنوح نحو الهدوء في لبنان والمنطقة، حدث آخر ذو دلالات تمثل بزيارة مميزة لوزير الخارجية السوري وليد المعلم للبنان عبر المطار ناقلا دعوة رسمية الى الرئيس ميشال سليمان من الرئيس السوري بشار الاسد لزيارة سوريا. وهي المرة الاولى يعلن عن زيارة على مستوى القمة في حين كانت الدعوة في الماضي تأتي من خلال ضابط أمن يترأس جهاز الاستخبارات السورية في عنجر. إنه تطور ايجابي ولائق في الشكل والمضمون، يبعث على الاعتقاد ان مرحلة جديدة أكثر جدية في العلاقات بين لبنان وسوريا، يمكن ان تؤسس لمستقبل افضل بين البلدين.
ويبقى الأهم من تبادل السفراء والعلاقات الديبلوماسية، عامل الثقة المفقودة، ففي غيابها لا تنفع سفارة للبنان في سوريا او العكس في اعادة الثقة المتبادلة والعلاقات الى طبيعتها، حتى اذا كانت في حجم أكبر سفارة في العالم، وهي للمناسبة السفارة الاميركية في بغداد، وعديد موظفيها سبعة آلاف!