Site icon Lebanese Forces Official Website

الله يضحك في عبّه

الله يضحك في عبّه !

هذه المرة يأتينا الدرس من صحيفة "النيويورك تايمز" التي رفضت نشر مقال افتتاحي كتبه المرشح الجمهوري جون ماكين ردا على مقال كتبه منافسه الديموقراطي باراك أوباما وشرح فيه اقتراحاته لسحب القوات الاميركية من العراق.
رفضت الصحيفة نشر المقال إلا اذا أعيدت كتابته ليتضمن معلومات تفصيلية عن وجهة نظر ماكين حول الوضع في العراق، وهو ما رفضه المشرفون على حملة ماكين الانتخابية.

❑ ❑ ❑

يشكل هذا درسا مفيدا موجها الى السياسيين والى الوسائل الاعلامية في الوقت عينه وخصوصا في بلد مثل لبنان يتغنى بالحرية والديموقراطية ولكن من دون احترام المعايير والقواعد اللازمة لا بل الضرورية للحفاظ على معنى الحرية والديموقراطية.

❑ أولاً: ليس عندنا إلا القلائل من الذين يحترمون عقول الناس ويهابون الرأي العام ويعمدون الى كتابة المقالات أو النصوص التي تشرح وجهة نظرهم حيال أمور حيوية ومشاكل أساسية تواجه الدولة والمجتمع.

وفي استطاعة الناس في هذا البلد السعيد ان يجزموا سلفا بأن عددا كبيرا من السياسيين والذين يعملون في التمثيل العام أو في الشأن العام لا يحبون الكتابة ولا شقاء التفكير.

وقد جاء علينا حين من الدهر البائس وسمعنا رؤساء يعلنون صراحة، وربما مفاخرة، انهم لا يحبون القراءة، فكيف الامر بالكتابة يا سيدي… أيها المواطن الغبي ؟!

❑ ❑ ❑

والذين يكتبون بعضهم جيد ولو كان يغرقنا أحيانا بالتنظير والتبشير والآراء التي تعبق برائحة النافتالين، أما البعض الآخر فغارق في السوء لأسباب كثيرة منها قلة المعرفة التي تنتج كتابة سيئة ومنها الاعتماد على كتبة من قليلي المعرفة الذين يضعون نصوصا سطحية لا تتجاوز حدود الجدليات والمماحكات التي نسميها سياسة في لبنان ومنها الأمية ومنها ايضا التحدّر من سلالة "ولا طسِّة"!

ولقد درجت العادة عند بعض المثقفين من أهل السياسة والاعلام عندنا ان يسأل بعضهم بعضاً عند ذكر هذا الاسم او ذاك من أسماء المسؤولين والقادة والزعماء: وكم كتاباً قرأ جنابه او معاليه؟

يطرح هذا السؤال على خلفية ان ذلك المسؤول هو رجل "والدتي"، كما تقول الطرفة، أي انه "أمي لا تقرئين ولا تكتبين" وتعمّد التأنيث هنا دلالة على ان في وسع سيبويه ان يشنق نفسه في مثواه الأخير.

❑ ثانياً: الوجه الآخر للدرس الذي نأخذه من صحيفة "النيويورك تايمز" يخص الصحافة ووسائل الاعلام التي تُغرق الناس بطوفان من التصريحات التافهة والنظريات السطحية واللغو في اصدار البيانات والافاضة والتوضيح والمحاججة والمماحكة بين مجموعات غير قليلة من أهل السياسة، أنعِم وأكرِم، الذين يمطرون أعمدة الصحف وآذان القراء بسيل هدّار من الهامشية والسطحية والخواء التام في المعرفة والحس وفي الحياء ايضا وأيضا !
واذا كانت الامور قد هزلت الى درجة ان بورصة النشاط السياسي اللبناني باتت تغلب عليها هذه الضحالة في الفكر والممارسة والتصريح والكتابة ايضا، فإن من حق الورق ان يصيح اعتراضا ومن حق الحبر أن يكره نفسه وهو يحمل الى الناس كل الافكار الهامشية.

ولكن اذا كان في وسع "النيويورك تايمز" ان تقول لجون ماكين: أعد كتابة مقالك لننشره، فليس في وسع أي صحيفة في هذا الشرق العربي السعيد، بما فيه لبنان طبعا، ان تصدر بغير صفحات بيضاء اذا رفضت نشر التوافه من الكتابة والتصريح والبيان والرد والخطابة وما الى ذلك من الاصوات الطربية المتعددة !

❑ ❑ ❑

لماذا الهروب الصريح الى الكتابة عن مقال جون ماكين و"النيويورك تايمز" في هذه الزاوية اليوم؟
لسبب بسيط. ربما لأن المواطن اللبناني كفر و"طلع دين أمه" منذ أشهر وهو يتابع وقائع الحكومة "البتراء" و"حكومة الوحدة الوطنية" وعكاظ البيان الوزاري والتراشق بالاتهامات، وما في ذلك من المعميات والالغاز والمقالب والمؤامرات والافخاخ والسعدنات والاكاذيب البلقاء ومزاعم الأبالسة الذين يريدون اقناع الناس بأن أجنحة الملائكة نبتت فوق أكتافهم وقد هبطوا للتو من السماء في مهمة طهرانية ستجعل من لبنان جنة الله على الارض.

ولكن الله، سبحان الله، يضحك في عبّه وهو يتمتم:
مساكين. زيدولي هالنار لاستقبالهم. فمن أحرق الناس بالأكاذيب نحرقه في نار جهنم.
قل إن شاء الله.

Exit mobile version