تفاؤل كبير محلّي ودولي تبدّده التجارب الطويلة
أعربت مصادر دبلوماسية أوروبية مطلعة عن اعتقادها بأنه قد توجد أسباب عديدة، لبنانية وسورية وإقليمية ودولية، للانفتاح السوري على المطالب اللبنانية المزمنة من مثل ترسيم الحدود وتبادل السفارات وفتح ملف المخطوفين والمعتقلين في السجون السورية وإعادة النظر بالاتفاقات الموقعة بين بيروت ودمشق. غير أن السبب الأبرز برأي هذه المصادر هو اهتمام سوريا القوي بنتائج الانتخابات التشريعية المرتقبة في الربيع المقبل وتهيئة أجواء مواتية لحلفائها في لبنان والقوى التي تتلاقى ظرفياً معها للفوز بهذه الانتخابات. «المسؤولون السوريون، بعكس نظرائهم اللبنانيين، لا يكتفون باتخاذ خطوة معينة، بل يتحسبون لعشر خطوات مقبلة».
ذلك أن السفارات الأوروبية ـــــ كما اللبنانيون ـــــ تدرك أن المعركة الانتخابية النيابية تدور حول المقاعد المسيحية، نظراً لأن المقاعد السنية والدرزية والشيعية محسومة للقوى السياسية البارزة في هذه الطوائف، وأن الصوت المسيحي شديد التأثر بالعناوين التي حملها وزير الخارجية السورية وليد المعلم.
وثمة من زار دمشق في الآونة الأخيرة، من المسؤولين اللبنانيين السابقين، وعاد بانطباع يصب في الاتجاه ذاته، ومفاده أن هناك تحولاً في النظرة السورية التقليدية إلى الواقع اللبناني وطريقة التعاطي معه. وبعدما كان المسؤولون هناك لسنوات عديدة لا يحفلون بانعكاسات مواقفهم وسياستهم على المستوى الشعبي في لبنان، يبدو للزوار أن هذا البعد بدأ يؤخذ في الاعتبار، وإن جزئياً، لأن رهان القيادة السورية الأساسي هو على البقاء رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية، «إذ إن الموقع القوي داخل هذه المعادلة هو ما يضمن لسوريا الدور الذي تريده لنفسها»، وفق ما يقوله زوار دمشق.
ويعتقد هؤلاء أن الثابتة السورية المتعلقة بخشية أن يكون لبنان «خنجراً في الخاصرة السورية» لا تزال قائمة، «لا بل تعززت كثيراً خلال السنوات الثلاث الأخيرة»، لكن ذلك لا يعني أن ثمة تفكيراً باستعادة التدخل العسكري في لبنان لأن «هذا الأمر ولّى دون رجعة». والرهان هو على التحولات الدولية التي بدأت تقر بموقع النظام السوري في المعادلة الإقليمية بعدما سقطت محاولات إخضاعه. أما البوادر الانفتاحية التي تبديها دمشق على مستوى تبادل السفراء وترسيم الحدود، فتندرج برأي الزوار المشار إليهم في إطار التحضير من حيث الشكل لعودة الدور السوري إلى لبنان في صورته الجديدة المنسجمة مع مقتضيات القانون الدولي والأعراف الديموقراطية السائدة بين الدول.
وسط هذه المعطيات، يبدو رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، بحسب أوساط قريبة منه، شديد الارتياح للنهج السوري المستجد. وتقول هذه الأوساط إنه متفائل حيال إمكان تحقيق التقارب المطلوب مع دمشق على قاعدة الاحترام المتبادل للسيادة والقرار المستقل. ويعزو دبلوماسي فرنسي ارتياح رئيس الجمهورية وتفاؤله إلى ما دار من محادثات في باريس في نهاية الأسبوع الماضي، وإلى التعهدات والالتزامات التي قطعها الرئيس السوري بشار الأسد لنظيريه اللبناني والفرنسي نيكولا ساركوزي. ويؤكد هذا الدبلوماسي أن القيادة الفرنسية لا تزال تشعر بأن «سوريا ماضية في نهج يوحي برغبتها في تثبيت المناخ الإقليمي الإيجابي، وفي أن تكون عنصراً إيجابياً في عملية تسوية كل النزاعات القديمة والجديدة في منطقة الشرق الأدنى».
بيد أن بعض السياسيين المخضرمين ممن اضطلعوا بأدوار مهمة في العلاقات اللبنانية ـــــ السورية في مختلف مراحلها، لا يشاطرون رئيس الجمهورية والدبلوماسية الفرنسية تفاؤلهما حيال النيات السورية، بعدما خبروا، ولا سيما أيام الرئيسين سليمان فرنجية والياس سركيس، مثل هذه البوادر الانفتاحية التي لم تبلغ يوماً خواتيمها المرجوة، رغم التجاوب اللبناني التام مع هذه المبادرات. فالمطالبة السورية بتبادل السفارات تعود إلى أواسط الستينيات، والمواقف المؤكدة لاحترام سيادة لبنان واستقلاله لم تغب عن القاموس السوري. لكن الحاكم في دمشق لم يفوّت يوماً فرصة للنفاذ إلى قلب المعادلة اللبنانية ومحاولة السيطرة عليها.