Site icon Lebanese Forces Official Website

القمة اللبنانية ـ السورية محكومة بقُطب المعلم المخفية

عوارض التاريخ تُلقي بظلالها على الحاضر
وصور بشّار وسليمان والسنيورة تمتزج مع صور حافظ وفرنجية وسلام
القمة اللبنانية ـ السورية محكومة بقُطب المعلم المخفية

تسمح "القطب المخفية" التي تضمنتها المواقف التي أطلقها وزير الخارجية السوري وليد المعلم، من أمام قصر بعبدا، باستشراف "الإشكاليات" التي ستواجه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، في قمته المرتقبة مع نظيره السوري بشار الأسد.
ويمكن في هذا الإطار التوقف عند ثلاث "قطب مخفية" مررها المعلم من أمام القصر الجمهوري:

أوّلاً، مثابرة المعلم على استعمال عبارة "علاقات لبنانية ـ سورية متكافئة"، مبتعدا بشكل كامل عن العبارة التي استعملها الرئيس سليمان في خطاب القسم، أي "علاقات لبنانية ـ سورية ندية".

ثانيا، بدأ المعلم حديثه عن ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، بالإشارة الى إنه لم يصطحب معه سوريين من أجل أن يتظاهروا لمصلحة ذويهم المفقودين في لبنان.

ثالثا، إن المعلم تقصد تحديد "توقيت سياسي" لتصحيح العلاقات اللبنانية ـ السورية، وهو بعد إنتهاء الإنتخابات النيابية في الربيع المقبل في لبنان.
ويبدو واضحاً، من السياق العام لأدبيات المعلم، أن القيادة السورية قد أنجزت تحضير ملفاتها التي ستفتحها، في مواجهة الملفات التي ستُثيرها الرئاسة اللبنانية.

وفي الدلالات المنبثقة من هذه "القطب المخفية" التي لا يمكن فصلها عن المعلومات المتراكمة في لبنان عن توجه النظام السوري، أن الرئيس بشّار الأسد، قرر بعد ثماني سنوات على وراثة القيادة السورية، أن يعود الى المسار الذي سلكه والده الراحل، بعيد تنصيبه رئيسا للجمهورية السورية.

وبهذا المعنى، فإن الضليعين بتاريخ العلاقات اللبنانية ـ السورية، باتوا أمام مشهد تختلط فيه معطيات أوائل السبعينات من القرن الماضي بأواخر الألفين من القرن الحالي، الأمر الذي يسمح بمزج صورة بشار الأسد مع صورة حافظ الأسد، وصورة ميشال سليمان مع صورة الراحل سليمان فرنجية، وصورة فؤاد السنيورة مع صورة الراحل صائب سلام. وفي العودة الى ذاك الزمن الذي يمزج معطياته مع هذا الزمن، تظهر الى الضوء وقائع تاريخية بالغة الأهمية.

ففي 16/3/1971 قام رئيس الجمهورية اللبنانية سليمان فرنجية بزيارة دمشق لتهنئة حافظ الأسد بانتخابه رئيساً للجمهورية، وخلال هذه الزيارة حيث سادت المناقشات أجواء عاطفية، أشار الأسد إلى ظهور نشاطات في لبنان فيها عداء لسوريا. وهي تعني النشاط الذي تقوم به القيادة السورية السابقة في لبنان مما سمح لها بإعادة إصدار مجلة "الراية" وتوزيع النشرات، بالإضافة الى الخط السياسي الذي كانت تنتهجه مجلة "الحوادث" التي كان يصدرها الصحافي سليم اللوزي.

وكان يؤخذ، قبل الزيارة وبعدها على الرئيس سلام، أنه لم يستطع "إقامة علاقات متوازنة" بين سوريا من جهة ودول عربية كانت علاقاتها سيئة أو فاترة مع سوريا، كالعراق والمملكة العربية السعودية، من جهة أخرى، ورفضه توقيف مجلة "الراية" عن الصدور، ودعمه لترشيح الدكتور عبد المجيد الرافعي للانتخابات النيابية في طرابلس، وتغاضيه عن النشاطات المعادية لسوريا في لبنان.

وفي السجلات التاريخية أيضا أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إستشاط غيظا، عندما أطل السابع والعشرون من أيار 1972 ومعه صدرت تشكيلة الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة الراحل صائب سلام.

وفي مذكرات لم تُنشر بعد، لعبد الحليم خدام الذي كان يومها وزيرا للخارجية السورية يظهر أن "إعادة سلام إلى رئاسة الحكومة تركت إنطباعات سلبية ولم تساعد في تحريك العلاقات نحو الأفضل".

وما أشبه الأمس باليوم.

فالنظام السوري كان يحارب رئيس الحكومة اللبنانية، في ظل الصلاحيات القديمة، ويعمل على تغييره، متهما إياه بكل "عوارض" الحرية في لبنان، وها هو حاليا يكرر حربه السياسية إياها، ولكن ضد رئيس حكومة لبنانية، في ظل الصلاحيات الدستورية المنبثقة عن "وثيقة الوفاق الوطني" في الطائف، وهو يتهمه بكل "عوارض" الحرية في لبنان، وينسب إليه مسؤولية إقامة علاقات "غير متوازنة" مع سوريا من جهة ومع الدول العربية الأخرى والمجتمع الدولي من جهة أخرى، وتاليا، فهو يستحيل أن يقود العلاقات اللبنانية ـ السورية نحو الأفضل في ظل رئيس حكومة لبنانية غير مستعد لتنفيذ ما يطلبه هذا النظام القيام به، ضد الحريات العامة في لبنان وضد العلاقات الممتازة مع العالم العربي والمجتمع الدولي.

وهنا بالتحديد، يمكن فهم التوقيت السياسي الذي وضعه المعلم لتحسين العلاقات اللبنانية ـ السورية، وهو "بعد الإنتخابات النيابية المقبلة"، أي بعد أن تتحوّل، وفق الوعود المقطوعة الى قيادته، الأكثرية الحالية والتي يسميها الأسد بالأكثرية الوهمية، الى أقلية، فيأتي حينها، وفق التصور السوري، رئيس للحكومة مؤهل لتنفيذ ما هو مطلوب منه، ضد الحريات السياسية والإعلامية في لبنان.

وبهذا المعنى، فإذا كانت الروابط الشخصية الممتازة التي ربطت الأسد ـ الأب بفرنجية ـ الرئيس، في الجمهورية الأولى لم تُحدث تغييرات إيجابية، فإن الروابط "المشابهة" التي تربط الأسد ـ الإبن بسليمان ـ الرئيس في الجمهورية الثانية، لن تُحدث التغييرات الإيجابية المرجوة.

وبعد التوقيت السياسي الذي وضعه المعلم لبدء إنتاج تحسينات على طبيعة العلاقات اللبنانية ـ السورية، لم يعد ممكنا لأي مراقب أن يعتبر "زلة لسان" كلام الرئيس السوري بشار الاسد في باريس عن أن الحوار الوطني اللبناني، موعده بعد الإنتخابات النيابية.

وهنا بالتحديد تصبح مفهومة "القطب المخفية الأخرى" في مواقف الأسد، فالنظام السوري، سوف يرفع ملفا شبيها بأي ملف سوف يطرحه الرئيس اللبناني، فعلى مستوى العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، فإن الحديث عن "عقدة" البعد القانوني، هو لإخفاء "عقدة" الحريات في لبنان، بحيث يكون مطلوبا من السلطات اللبنانية في المرحلة التمهيدية أن تحسم موقفها من وسائل الإعلام التي تُعاديها سوريا، وما حصل لمجموعة "المستقبل" الإعلامية ولمجلة "الشراع" أثناء غزوة بيروت، يجب أن يتكرس قانونا، وما كان مطلوبا للمعارضين السوريين المقيمين في لبنان، في تلك المرحلة يجب أن يصبح حقيقة وواقعا، وإرادة لبنان وضع حد للإغتيال السياسي يستحيل تحقيقها إلا بزج المطلوب نجاتهم في السجون.

وهنا أيضا يمكن مراجعة التاريخ، فعندما لم يُنفذ لبنان مطالب الأسد لجأ الأسد الى تنفيذه بالقوة فاغتال مناوئين له وخطف آخرين ونسف مقر مجلة "الحوادث"، ليعود بعد دخول الجيش السوري الى لبنان، فيحرق الصحف ويصفي شخصيات لم تتمكن من إيجاد معبر فرار من بلادها الى الخارج.

ويروي خدام، ودائما وفق التاريخ المدوّن في مذكراته التي لم تُنشر بعد ـ وهو ما سوف يسمعه سليمان عن السنيورة إن لم يكن قد سمعه أصلا ـ :"لقد سمحت علاقاتي الخاصة بالرجل والود الذي يحمله لي أن أتحدث معه بعيداً عن الديبلوماسية والتعابير المطاطة، لقد قلت للرئيس فرنجية وكنا نجلس في غرفة في الطابق الثاني من بيته القديم، إن استمرارك باحتضان صائب سيؤدي إلى تفجير عهدك والتفجير لن يكون من قبلنا لأننا نستطيع أن نتحمل من أجلك ومن أجل لبنان بل سيكون من صائب نفسه، نحن لسنا ضد صائب وكنا نود التعاون معه ولكن الرجل عدو نفسه، ولذا فهو سيفجر نفسه ويفجر عهدك معه".

وهنا أيضا، يصبح مفهوما أكثر لماذا يُصر النظام السوري على رفض استعمال عبارة "العلاقات الندية" لمصلحة "العلاقات المتكافئة".

ووفق القاموس السوري العلاقات الندية تفترض دولا تتمتع بالندية على المستوى التاريخي والعسكري والسياسي والديموغرافي، وهذا ما لا يتمتع به لبنان بالمقارنة مع سوريا، وتاليا فإن الإصرار على الندية يعني الإصرار على الإفتئات على مقام سوريا، وهذا ما يستحيل القبول به، وبالتالي فإن إشتراطات سوريا في لبنان نابعة من تفوقها، ويستحيل الرد عليها باشتراطات مقابلة، في حين أن "التكافؤ" ينطلق أساسا من قاعدة النسبية، بحيث يأخذ لبنان في تعاطيه مع سوريا ما يستحقه وفق موازين القوى، فقط، وهذا ما يُسمى بالتكافؤ.

أمام هذه المعطيات، يبقى المجال رحبا للأسئلة المهمة، فهل يُهيء الرئيس سليمان ملفاته؟ وهل هناك من نشط لإطلاع الدول المعنية بالعلاقات اللبنانية ـ السورية على حقائق الحاضر والماضي؟ وهل تفيق قوى الرابع عشر من آذار من "سبات" صراع الأحجام والمناصب، من أجل أن تكون سندا للثوابت اللبنانية التي لا يستطيع الرئيس سليمان أن يحملها لوحده؟.

Exit mobile version