#adsense

خطوة ناقصة

حجم الخط

خطوة ناقصة!

بات أكيداً أن دمشق قررت، جدياً، إقامة علاقات ديبلوماسية مع بيروت. وما أعلنه الوزير وليد المعلم، خلال زيارته للعاصمة اللبنانية قبل يومين، كان تأكيداً إضافياً لما سبق أن صرح به الرئيس بشار الأسد، قبيل القمة المتوسطية وخلالها.
مثل هذه الخطوة لا يمكن ان تتحقق من دون مبادرة سورية. إذ ان المطالبات اللبنانية بها تظل، على أهميتها، عاجزة عن الدفع نحو هذه الخطوة، نظراً الى الضعف اللبناني على مستوى الدولة وعلى مستوى الفئات الأهلية، وعدم القدرة على التأثير في القرار السوري.

وكون تنفيذ الخطوة، إضافة الى مفهومها، مرتبطاً بالقرار السوري، يفرض على دمشق مسؤوليات أكبر من تلك التي تقع على لبنان، سواء في وتيرة التنفيذ وكيفيته. ومن جهة أخرى، يؤشر الى النظرة السورية الى نوع التغيير الكبير في العلاقة مع لبنان، والذي تفرضه العلاقات الديبلوماسية.
كان لافتاً ان الوزير المعلم الذي أعلن من بيروت العزم على تبادل فتح السفارات، تحدث عن علاقات جيدة بين الرئيسين اللبناني والسوري وعن تطبيع العلاقات بين البلدين، لكنه لم يشر قط الى علاقة بين الدولتين. ويعتقد بأن عدم استخدام مصطلح الدولتين لم يكن سهواً. فالمعلم شيخ الديبلوماسية السورية، ويعي معنى كل كلمة مستخدمة.

في السابق، كانت دمشق تردّ على المطالبة بعلاقة ديبلوماسية مع بيروت، بأنه لا لزوم لها ولا فائدة ما دامت العلاقة بين البلدين والشعبين (لا بل شعب واحد في بلدين) ومع القوى السياسية اللبنانية جيدة. وهي كانت كذلك من وجهة نظر سورية، لأن من هو خارجها يكون في صف الأعداء. ومع قبول سورية بإقامة العلاقة الديبلوماسية، يطرح السؤال في الوقت نفسه عن العلاقة الجديدة بين سورية والقوى الأهلية اللبنانية.

معلوم ان ملف العلاقة كان في السابق في عهدة الأجهزة الأمنية التي بطبيعتها تسعى الى استقطابات لا تتوافق بالضرورة مع ضرورات التعامل بين الدول. ويبدو ان هذا الملف انتقل هذه المرة الى الخارجية السورية، ما يعني انه ينبغي ان يترافق مع تغيير في طريقة التعامل. في السابق كان يتم مع حلفاء، من احزاب وشخصيات، غالبا ما تكون على حساب الدولة اللبنانية. واليوم ينبغي ان يكون بين مؤسستين رسميتين وسفارتين، على أساس ندية في الحقوق والواجبات، ما يفرض اعلاناً سورياً واضحاً عن طبيعة العلاقة الثنائية التي ستكون مستقبلا مع «الحلفاء» اللبنانيين، ووظيفة هؤلاء الحلفاء في السياسية السورية العامة.

في موازاة ذلك، جاء اعلان دمشق عن خطوة التبادل الديبلوماسي مع بيروت في الوقت الذي توسّع الديبلوماسية السورية دائرة حركتها، خصوصاً في اتجاه الغرب والحل السلمي في الشرق الأوسط. لا بل جاء الاعلان في اطار هذه الحركة. والسؤال هو مدى كون الخطوة ازاء لبنان تفرضها طبيعة العلاقات الدولية الراهنة حتى بين بلدين جارين، ام أنها استكمال للحركة الديبلوماسية العامة، وتاليا تخضع لضروراتها، يحصل التقدم فيها من أجل تسويق سياسة الانفتاح، وتواجه العراقيل عندما تقتضي الظروف وجوب الانكماش والتشدد.

وما يدعو الى هذا التساؤل، المراوحة السورية بين المسارعة الى دعوة الرئيس ميشال سليمان الى دمشق لمناقشة العلاقات مع نظيره الرئيس بشار الاسد، ما يترافق مع الروزنامة التي حددت في باريس لزيارة الرئيس نيكولا ساركوزي للعاصمة السورية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، إثارة جملة من القضايا الإشكالية في العلاقات اللبنانية – السورية، والتي ينبغي الاتفاق عليها، ما يوحي بنيّة دمشق إبقاء التقدم تحت سيطرة حاجاتها الديبلوماسية.

وما لم تبدد دمشق هذه الالتباسات في موقفها من العلاقة الديبلوماسية مع لبنان، تظل خطوتها ناقصة وعرضة للانتكاس.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل