البيان الوزاري بين الاستعجال والمبادئ

حجم الخط

البيان الوزاري بين الاستعجال والمبادئ

أبدى الرئيس نبيه بري امتعاضه من التأخير في انجاز البيان الوزاري للحكومة الجديدة، قائلا ان "التأخر بعد الآن غير محمول".
محق رئيس مجلس النواب في ملاحظته متى كانت منطلقاتها وفاقية بالمعنى الذي يمنع اي فريق من ان يفرض نهجه على السياسة العامة للحكومة. ونعني هنا كل ما يتعلق بالعلاقات اللبنانية – السورية من ناحية، وبند "المقاومة" من ناحية اخرى. فالعلاقات المشتركة بين لبنان وجاره "المتعب" لم تعد الى طبيعتها بعد، ولن تعود قبل حل خلافات صعبة ومعقدة جعلت وتجعل معظم الشعب اللبناني يرفض سياسات تدخلية من دمشق في الشؤون الداخلية لبلاد الارز.

ولعل اصعب الخلافات واشدها تعقيدا يدور على مسؤولية النظام السوري في الاغتيالات وفي مقدمها اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وقضية المعتقلين والمفقودين في السجون السورية. فاذا كان اهل "حزب ولاية الفقيه" ومعهم العونيون وبقية مكونات 8 آذار يدرجون السياسات والسلوك السوري حيال لبنان في باب العلاقات الطبيعية اليوم، فان الحقيقة تقع في مكان آخر مثلها مثل موقف غالبية عظمى من اللبنانيين في الوطن والانتشار. من هنا اهمية التوقف عند كل نقطة من النقاط المتعلقة بالعلاقات بين لبنان وسوريا (بصرف النظر عن النظام القائم فيها راهنا)، وتضمين البيان الوزاري مواقف واضحة وعملية استنادا الى جميع بنود اجتماعات الحوار الوطني لعام 2006 والتي نصت بتوافق الجميع على ترسيم الحدود بين البلدين، و"تحديدها" عند مزارع شبعا، معالجة السلاح الفلسطيني للمنظمات التابعة للنظام في سوريا وهي منتشرة في قواعد خارج المخيمات وتعتبر بمثابة بؤر امنية خارجة على الدولة والقانون، كما انها تمثل تهديدا صريحا للسلم الاهلي اللبناني الهش. واخيرا، وليس آخرا، يأتي بند اقامة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين ليتوج سلوكا جديدا ونمطا مختلفا من العلاقات المشتركة لا ليصير فتح السفارة السورية، على ما قال العميد كارلوس اده، كنقل مركز المخابرات السورية من عنجر الى بيروت!

ولكان محقا الرئيس نبيه بري في مطلبه التعجيل في انجاز البيان الوزاري لو كان بند "المقاومة" امرا مفروغا منه، لكنه في حقيقة الامر ابعد ما يكون عن الثابتة المسلم بها. فالعودة الى نص البيان الوزاري لـ"حكومة التحالف الرباعي" السابقة غير معقولة لا بل انها مرفوضة. فسلاح "حزب ولاية الفقيه" هو بند خلافي جوهري، ويتعلق بوجود لبنان او زواله. ولا يجوز للاستقلاليين التساهل في أمر منحه شرعية جديدة عبر البيان الوزاري. فبعدما دخل "حزب ولاية الفقيه" هدنة واقعية مع اسرائيل اثر حرب تموز، وتحول بسلاحه ومشروعه التوسعي نحو الداخل واحتل العاصمة بيروت، بات من المستحيل اقناع ملايين اللبنانيين هنا وفي الخارج بشرعية سلاحه الذي يمثل تهديدا لجميع اللبنانيين. وهذا موقف مبدئي يتقدم على الحكومة، وكل الحكومات. فالى ممثلي التيار الاستقلالي في الحكومة نقول: لا تفرطوا بالمبادئ، واوقفوا مسلسل التنازلات.

خلال التشكيل طولب الاستقلاليون بالسرعة، والتسهيل من اجل ان يذهب الرئيس ميشال سليمان الى باريس ووراءه حكومة جديدة في بيروت. واليوم يُطالب الاستقلاليون بالتعجيل في وضع البيان الوزاري تسهيلا لزيارته لدمشق، وهذا يعني عمليا الموافقة على كل ما يطرحه الفريق الآخر على مستوى بنود المقاومة واستطرادا سلاح الميليشيات، والعلاقات مع سوريا من اجل زيارة. وماذا غدا؟

نحن نقول: لا مانع من تأجيل زيارة الرئيس سليمان الى دمشق بعض الوقت، اذا كان الامر مرتبطا بالبيان الوزاري، والسبب انه ما لم يوقف الاستقلاليون مسلسل التنازلات تحت عنوان "التسهيل"، وان من منطلق المحافظة على البلاد ومنع انزلاقها نحو "المجهول"، فاننا عاجلا ام آجلا سنصل مستسلمين الى لبنان آخر يكون نقيض لبنان الاستقلال الذي لأجله سقط اخياره الكبار من كمال جنبلاط الى رفيق الحريري، وكل الشهداء. فلا تشرعنوا ما لم يعد شرعيا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل