عندما تتوحّد الأهداف والمبادئ لا يعود يهمّ من يفوز في الانتخابات
لجنة المطارنة الموارنة الرباعية تضع "شرعة عمل سياسي"
ماذا في استطاعة لجنة المطارنة الموارنة الرباعية ان تفعل لمعالجة اوضاع المسيحيين التي تختلف اختلافا تاما عن اوضاع المسلمين خصوصا على ابواب الانتخابات النيابية المقبلة؟ فالمعركة الانتخابية محسومة سنياً لمصلحة "تيار المستقبل" في معظم الدوائر، ومحسومة شيعياً لمصلحة تحالف "حزب الله" وحركة "امل" في معظم الدوائر ايضا، ومحسومة درزياً لمصلحة الحزب التقدمي الاشتراكي حيث للصوت الدرزي في بعض الدوائر تأثيره، فتبقى المعركة الانتخابية والحالة هذه بين المسيحيين فقط وتحديدا بين الموارنة، وعلى الاخص في دوائر جبل لبنان.
والسؤال المطروح هو: كيف يمكن تجنيب المسيحيين معركة انتخابية قاسية؟
هل بتوحيدهم حول خط سياسي واحد هو خط السيادة والحرية والاستقلال ورفض اي وصاية شرقا كانت ام غربا، وخط اقامة الدولة القوية القادرة التي لا سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها، ولا ولاء إلا للبنان اولا، ولا انحياز الى اي محور اقليمي او دولي ضد محور آخر كي لا تستقوي اي فئة بأي خارج على فئة اخرى فيفتح ذلك باب التدخل في شؤون لبنان الداخلية لمصلحة هذه الفئة او تلك، واذا تحقق توحيد الصف المسيحي حول هذه الاهداف والمبادئ، فانه يلتقي عندئذ على هذا الاساس مع المسلمين الذين يدينون بها؟
الواقع ان المسيحيين منقسمون حاليا بين مسلمين بغالبيتهم الشيعية منحازة للمحور الايراني – السوري ومؤيدة لبقاء السلاح في يد المقاومة اي "حزب الله" الى ان يتم تحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها اسرائيل ويتحقق السلام، عندها يصبح السلاح في يد الدولة من دون سواها، ومسيحيون متحالفون مع مسلمين بغالبيتهم السنية والدرزية على اساس التمسك بسيادة لبنان واستقلاله وحريته وديموقراطيته، وعلى اساس لبنان اولا وغير منحاز لأي محور، وان تقوم فيه دولة قوية قادرة لا سلاح فيها غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها، وان يتم تحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية التي تحتلها اسرائيل بالوسائل السلمية، فاذا تعذر ذلك فبالوسائل التي تقررها الدولة وليس اي جهة اخرى. فعندما يتوحد اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم حول هذه الاهداف والمبادئ، فلا يعود يهم من هو الحزب او التيار الذي يفوز في الانتخابات بأكثرية المقاعد، لان هذه الاكثرية سوف تحكم على اساس هذه الاهداف والمبادئ التي لا خلاف عليها بين اللبنانيين، ويشيع الفائز في الانتخابات الارتياح والطمأنينة لدى الجميع ويصبح التعاطف معه تعاطفا مع علاقات شخصية وثقة بهذا اكثر من ذاك على الصعيدين السياسي والوطني. وهو ما كان يحصل عندما كان يتنافس على رئاسة الجمهورية الشيخ بشارة الخوري واميل اده وكميل شمعون وحميد فرنجيه وفؤاد شهاب وريمون اده لانه لم يكن ثمة شك بوطنية ولبنانية اي منهم، بل كانت العلاقات الشخصية والثقة هي التي كانت تجعل الناس يفضلون مرشحا على آخر.
واذا كان يصعب توحيد اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم حول شعار لبنان اولا ورفض انحيازهم الى اي محور وان لا تقوم دولة غير الدولة اللبنانية السيدة الحرة، فهل يمكن توحيد المسيحيين حول المبادئ والاهداف التي تجعلهم يتحالفون على اساسها مع المسلمين الذين يؤمنون بها، او هل يمكن توحيد المسيحيين فقط حول هذه المبادئ والاهداف فلا يعود يهم عندئذ إن فاز في الانتخابات النيابية هذا الحزب المسيحي او ذاك، لان الفوز لا يكون للاشخاص بل للمبادئ التي تحفظ للبنان كيانه وسيادته واستقلاله وديموقراطيته لكن الخوف كل الخوف هو في ان يظل المسيحيون منقسمين بين خطين سياسيين: خط يدين بلبنان اولا وبالولاء له من دون سواه وبعدم الدخول او الانحياز الى اي محور اقليمي او دولي، وألا يكون دولة ضمن الدولة ولا سلطة غير سلطتها ولا قرار غير قرارها، ويتحالف عندئذ مع المسلمين الذين يدينون بهذا الخط، وخط سياسي آخر لمسيحيين يؤمنون بغير هذه الاهداف والمبادئ ومتحالفين مع مسلمين على اساسه، حتى اذا ما كان الفوز في الانتخابات النيابية المقبلة لهذا الخط، وكان له الحكم، فانه يخشى ان تتعرض الوحدة الوطنية الداخلية للتصدع والعيش المشترك للخطر، ويصبح اي شكل من اشكال التقسيم والفيديرالية مطروحا، فلا تعود وحدة ارض وشعب ومؤسسات اذا لم تقم في لبنان الدولة القوية الواحدة الموحدة التي لا سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها.
لذلك، فان ما تستطيع ان تفعله لجنة المطارنة الموارنة الرباعية هو جمع المسيحيين حول شرعة عمل سياسي تحترم الرأي الآخر، ولا يبلغ الاختلاف في الرأي حد الخلاف والتصادم او الخروج على آداب التخاطب ليكون للكنيسة دور الجامع حول المبادئ والثوابت الوطنية، حتى اذا تعذر جمع الصف فأقله توحيد الكلمة حول وحدة الاهداف والمبادئ والثوابت الوطنية، ولتكن المنافسة في الانتخابات النيابية منافسة بروح رياضية حرة، يهنئ فيها الخاسر الرابح، ما دام الرابح لا يكون الشخص في ذاته بل المبادئ والاهداف.
ويقول مرجع ديني إنه يتمنى ان يتوصل المسيحيون الى تحالف يجعلهم يحسمون المعارك الانتخابية في دوائرهم كما يحسم التحالف الشيعي هذه المعارك في دوائره، وكذلك التحالف السني والتحالف الدرزي، فلا تظل المعارك القاسية بين المسيحيين وحدهم فتزيدهم شرذمة وتهميشا وضعفا، وانه اذا كانت التعددية مطلوبة، فينبغي ان تكون داخل كل مذهب وكل طائفة، وليس داخل طائفة واحدة لمجرد القول إنها مصدر غنى وتعزيز للديموقراطية، ولا يظل الموارنة كما قال البطريرك صفير منقسمين ويهاجم بعضهم بعضا، وتتزاحم قياداتهم على السلطة والمواقع.
