قواعد اشتباك راديكالية
تستعيد قوى 14 آذار في الوثيقة السياسية التي وضعتها أخيراً نبرة متشددة راديكالية حيال "حزب الله" وسلاحه في وقت لا يزال فيه حدث استعادة الاسرى ورفات المقاومين من اسرائيل يطغى على المناخ الداخلي برمته ويتسبب بتأخير البيان الوزاري ودوران اللجنة الوزارية حول مسألة المقاومة.
وربما تكتسب الوثيقة اهميتها ودلالتها من هذا التوقيت بالذات لمعاينة "حالة" قوى 14 آذار بازاء خصمها الاول والقوي اكثر من مضمون الموقف الذي يقول باستحالة التعايش بين منطق الدولة ومنطق السلاح. فهذا الموقف لا ينفصل في النتيجة عن الخط البياني المبدئي لقوى الغالبية منذ تأسيسها.
لكن نبرة التعبير عنه الآن، غداة ولادة تجربة التعايش القسرية داخل الحكومة مع قوى 8 آذار، تبدو انعكاسا مباشرا لمجموع تداعيات "ذاتية" في صفوف الاكثرية واخرى "خارجية" في صفوف الخصوم، والاهم من هذه وتلك مؤشرا عريضا اوليا لنمط الصراع "السلمي" الآتي بين الفريقين في مرحلة العد العكسي للانتخابات النيابية الحاسمة.
لا شك في ان قوى الغالبية كانت في حاجة شديدة بعد مرحلة تلقت فيها ضربات حادة وعنيفة منذ احداث ايار الى اعادة ضبط الايقاع بين القوى والاحزاب والتيارات التي تنخرط في تحالفها. ويبرز هذا البعد الذاتي في العودة الى سقف مبدئي صارم ومتشدد حيال مسألة احتكار الدولة للسلاح على نحو توحي معه الوثيقة كأن لبنان لا يزال في "عصر" القرارات الدولية واندفاع المجتمع الدولي، مع بدايات "ثورة الارز"، لتنفيذ هذه القرارات. ومع ان الظروف الخارجية الراهنة تكشف انحسارا تدريجيا لهذا العصر، فان "الراديكالية" في وثيقة 14 آذار تكشف بدورها مفارقة بالغة الفرادة، هي ان قوى الغالبية اختارت مقارعة "حزب الله" بأسلوبه وبنمطه الراديكالي نفسه.
فالحزب لا يقيم ظاهرا في خطابه المعلن وفي شروطه ومعاركه السياسية وزنا لكل التحولات الخارجية الجارية راهنا في موضوع المفاوضات السورية – الاسرائيلية. بل يتصرف من موقع من يفرض اجندته الخاصة ويعليها على كل اعتبار، حتى تلك المتصلة بارتباطاته الاقليمية، تساعده في ذلك بطبيعة الحال آخر انتصاراته ومكاسبه في صفقة تبادل الاسرى مع اسرائيل.
وثمة كثير من الرد على "حزب الله" ومقارعته في وثيقة قوى 14 آذار التي تريد عبرها الاثبات انها لا تزال قادرة على فرض اجندتها والتمسك الجذري بادبياتها المبدئية حتى في عز رهان خصومها على فقدانها "الظهير" الدولي، هذا اذا صح ان المجتمع الدولي يعيش الآن لحظة الانحسار حيال المنطقة ولبنان بفعل انشغال محركه العملاق، الولايات المتحدة الاميركية، باستحقاقه الانتخابي.
اذاً يبدو لبنان عشية معادلة فريدة يتبارى فيها فريقا 14 آذار و8 آذار بالتحليق او التغريد بعيدا عن الاسراب الخارجية، اقله في الشكل والظاهر اللذين لا يعكسان حتما جوهر المقارعة الجديدة التي يصعب عزلها تماما عن بعض الارتباطات والتحالفات الخارجية. لكنها معادلة تستحق الرصد لان قواعد اللعبة فيها اختلفت عن حقبة الاشتباك السابقة، وينتظر ان يظهر فيها كل من الفريقين "افضل" مناوراته المتكيفة مع واقع دولي واقليمي مائع ومخيف في آن واحد. كل فريق يخشى فعلا ان تصيبه التحولات الاقليمية بعطب قاتل او بآثار غير قابلة للشفاء. ولذلك يتجه الطرفان الى مبدئية صارمة وحادة حتى النهاية. اما هذه النهاية فلن تكون الا مع انتخابات رسمت سقوفها مبكرا من الآن وتعد بان تحولها استفتاء حاسما على قضية حصرية يبدأ مخاضها الصعب مع بيان وزاري قيصري سيكون اشبه بدق النفير لاشعال الجبهات الانتخابية بلا هوادة تحت سقف "الدولة والسلاح" سواء بسواء.
