طاولة الحوار الوطني قد "تستهلك" حكومتين والاستراتيجية الدفاعية في ذهن سليمان محكومة بـ"تدرّج المراحل"
"حزب الله" وشرط "الإجماع" على مستقبل "مقاومة".. من الماضي
دائماً تستند مطالب "حزب الله" الى منطق ينم عن احتقار للتعددية السياسية في لبنان. آخر "إبداعاته" في هذا المجال تجلّى في دعوته اللجنة الوزارية الى الإقرار بشرعية "المقاومة"… "بالإجماع".
وهذا يفيد بأن "حزب الله"، لا يأبه بوجود أطراف سياسية أساسية في الحكومة، ترفض إسباغ الاعتراف الرسمي على "المقاومة الإسلامية في لبنان"، وهذا هو الاسم الرسمي للجناح العسكري في لبنان.
وهو يتغاضى عن حاجته الى إدارة حوار مقنع يشمل جميع الفئات الممثلة في "حكومة الدوحة اللبنانية"، ليتوصل، إما الى النتيجة التي يتوخاها، وإما ليتبنّى غيرها. ويعيد البعض تغاضي "حزب الله" هذا الى اقتناع راسخ لديه بأن منطق الأقوى عسكرياً هو دائماً الأفضل، انطلاقاً من تجربة غزوة أيار الأخيرة، حين تمكّن بسلاح هذه "المقاومة" من الحصول على ثلث معطل كان قد عجز عنه بكل وسائل الضغط الأخرى.
ويريد "حزب الله" من اللبنانيين عموماً ومن الفئات السياسية الموجودة في الحكومة أن تقبل بالركوب معه في آلة إعادة الزمن الى الوراء، بحيث تتبنّى بـ"الإجماع" ما سبق وورد عن المقاومة "في البيان الوزاري للحكومة التي تمّ الإنقلاب عليها"، مع ما يعنيه هذا من دعوة الى تبني "استراتيجية النعامة"، بحيث يتناسى الجميع كل ما حصل بين تموز 2005 وتموز 2008، باسم "المقاومة" وحقوقها "المشروعة" والعقوبات المترتبة على كل من يتفرد "حزب الله" في إدراجه تحت خانة "العمالة" و"الخيانة" و"التآمر"، وتالياً تحت طائلة النيل منه ومن كرامته بشعار "السلاح لحماية السلاح".
وبذلك، يهدف "حزب الله"الى مطالبة الدولة اللبنانية، من بوابتي مجلس الوزراء بداية ومجلس النواب لاحقاً، بأن لا تكون دولة.
والدولة لتكون دولة، يمكنها أن تعترف بعجزها عن نزع سلاح حزب قوي كما هي عليه حال "حزب الله"، وحتى أن تدافع عن استعمال هذا الحزب سلاحه في مواجهة إسرائيل، إن هي اعتدت على السيادة اللبنانية، ولكنها لا تستطيع، بعد صدور القرار 1701 بالاستناد الى مفاوضات مسبقة معها، أن تُقر بمؤسسة مستقلة اسمها "المقاومة" وتدعو في الوقت نفسه الى تنفيذ كل موجبات القرار 1701، على اعتبار أن ضمانة التنفيذ هي من طرفي لبنان وإسرائيل، ففيما تعمل الديبلوماسية على إخراج إسرائيل مما تبقى من أراضٍ لبنانية محتلة، لا تستطيع الحكومة اللبنانية أن تتبنّى حكومياً ونيابياً مؤسسة "المقاومة".
أكثر من ذلك، إنّ "حزب الله" الذي يريد من الحكومة أن تُضفي الشرعية على "المقاومة" في البيان الوزاري يكون، من حيث يدري، قد "صفّى" أعمال طاولة الحوار الوطني المتفّق في اتفاق الدوحة على انعقادها في القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ذلك أن توافر الإجماع على "المقاومة" في البيان الوزاري يعني إلغاء حالة الخلاف عليها وعلى الاستراتيجية الدفاعية، وتالياً لا تكون ثمة حاجة الى حوار في القصر الجمهوري، لأن الحوار لا يكون حول بند متّفق عليه، بل حول بند مختلف عليه.
وثمة من يشتبه بأن الإصرار على إدراج بند المقاومة في البيان الوزاري للحكومة الحالية يهدف الى إعطاء "حزب الله" شرعية التحرك ضد إسرائيل في اللحظة التي تُناسب "شركاءه" الإقليميين، على اعتبار أن هناك نية لمنع طاولة الحوار الوطني العتيدة من الإنتاج، الأمر الذي يلائم التوجه الذي أطلقه من باريس الرئيس السوري بشار الأسد، حين قلب أولويات "اتفاق الدوحة" بقوله إن الحوار الوطني ينعقد بعد الانتخابات النيابية المقبلة، الأمر الذي ترجم مقاصده وزير الخارجية السورية وليد المعلم من بعبدا حين ربط التحسّن بالعلاقات اللبنانية ـ السورية بالتغيير الذي سوف ينجم عن هذه الانتخابات.
وتؤكد أوساط لبنانية غير مشاركة في اللجنة الوزارية المكلّفة صوغ البيان الوزاري، أن "حزب الله" لو كان "حسن النية" ويقبل بتعدد الآراء السياسية في لبنان بموجب المعادلات التي تحكّمت بتشكيل الحكومة الحالية، لكان قبل بترحيل بند المقاومة والاستراتيجية الدفاعية الى طاولة الحوار الوطني، على اعتبار أن هذا البند هو الوحيد الذي بقي عالقاً من بنود جدول أعمال طاولة الحوار الوطني في المجلس النيابي التي كانت أولى ضحايا عملية "الوعد الصادق"، ولكان قبل في المقابل بأن يتضمن البيان الوزاري للحكومة القرار 1701، مع تأكيد على أن مندرجات هذا القرار لا تلغي المقاومة إلا مع إلغاء إسرائيل لمبررات استمرارها، بدءاً بمواصلة احتلال مزارع شبعا وصولاً الى مواصلة خرق الأجواء اللبنانية.
على أي حال، أين الأطراف الرئيسية في البلاد من كل ذلك؟
من الواضح أن "القوات اللبنانية" تخوض نقاشاً مبدئياً ضد مؤسسة "المقاومة الإسلامية في لبنان"، في حين أن القوى المسيحية الأخرى في "14 آذار" ممثلة بالوزير نسيب لحود تفضل "ترحيل" الموضوع الى طاولة الحوار الوطني في بعبدا، في حين يتلاقى الزعيمان سعد الحريري ووليد جنبلاط على وجوب إدخال تعديلات على نص العام 2005 ولكن من دون إثارة إشكالية سياسية غير قابلة للحل.
أما الرئيس ميشال سليمان، وبعد إنضاج التصور لطاولة الحوار الوطني، فاختار أن يُضفي جواً من الأمل لدى المواطنين، بالقول عبر تحرك مستشاره ناظم الخوري، إن مؤسسة فض الخلاف الوطني بالحوار، متوافرة.
وبدخوله على الخط من بوابة "مؤسسة الحوار الوطني" يكون الرئيس سليمان قد دخل بهدوء على "التأزم" الحاصل، مبلغاً من يعنيهم الأمر بأن المطلوب من البيان الوزاري صياغة تُغطي مرحلة عمر الحكومة فقط، في حين أن الصياغة الدائمة هي مهمة تتكفّل بها طاولة الحوار الوطني التي تبدو غير محكومة بتوقيت ضاغط، على اعتبار أن مهماتها يمكن أن تبدأ على مدى عمر حكومتين.
وفي ذهن الرئيس سليمان، وفق بعض العارفين، أن النقاش في الاستراتيجية الدفاعية يستحيل أن يصل الى مبتغاه، إلا إذا جاء موزّعاً على مراحل انتقالية، الأمر الذي يطرح سؤالاً في القصر الجمهوري مفاده: من قال إن المرحلة الأولى لن تكون شبيهة جداً بالمرحلة التي يُكرّسها حالياً الأمر الواقع؟.
وفي مطلق الأحوال، جميع الأطراف تأمل بمخرج قريب جداً لمأزق "المقاومة"في البيان الوزاري، وهذا ما يتبدّى من أن "حزب الله"والدائرين في فلكه هم وحدهم من يحاول أن يصطنع مشكلة في معاركهم الإعلامية المفتوحة.
