ست مسودّات للبيان الوزاري والأمور عالقة عند بند المقاومة
"حزب الله" رفض إحالة المسألة على الحوار وأصر على صيغته
لم يكن البيان الوزاري ليأخذ هذا المقدار من الاهتمام والدقة في التعابير والمسوّدات التي بلغ عددها ستا حتى امس، لولا استمرار تداعيات حرب تموز بين فريقي الغالبية والمعارضة بعدما اعتبر البيان الوزاري السابق بمثابة غطاء لـ"حزب الله" في خطفه الجنديين الاسرائيليين عبر "الخط الازرق". ووافقه يومها حليفه "التيار الوطني الحر" بقوله ان حرية عمل المقاومة ضمنها البيان الوزاري وتاليا ان الشكوى من استقلالية "حزب الله" وتفرده بحرب تحمَّل مسؤوليتها جميع اللبنانيين هي مسؤولية الحكومة وليست مسؤولية الحزب. ولم يخف الرئيس نبيه بري ولا "حزب الله" (ولا حتى جريدة "تشرين" السورية في عددها امس) ضرورة اعادة تأكيد حق المقاومة واستمرار الحاجة اليها الذي ورد في البيان الوزاري لحكومة عام 2005 في البيان الوزاري للحكومة الحالية بصرف النظر عن التغييرات التي احدثتها حرب تموز وما ادت اليه من قرار دولي هو القرار 1701 ومن انتشار للجيش في الجنوب اضافة الى قوة دولية يتجاوز عددها 12 الف جندي على طول الحدود مع اسرائيل. ويبدو، بحسب كل المعطيات، ان البيان عالق عند هذه النقطة على رغم كل الاقتراحات التي اضافت ما يمكن ان يكون مقبولا ويعد تنازلا مهما من الافرقاء الآخرين، تحت طائلة تراجع الحزب، على ما فهم، عن كل ما تم الاتفاق عليه في شأن النقاط الاخرى التي اخذت ما اخذت من جهد. فبدا الحزب كأنه يفرض منطقه على الآخرين تحت وطأة ألا تقلّع الحكومة ولا يقلّع عهد الرئيس ميشال سليمان.
ويتكتم الوزراء اعضاء اللجنة المكلفة إعداد البيان الوزاري عن الإفصاح عن حقيقة المداولات والمناقشات، على رغم ان بعض المعطيات يفيد ان ما ادلى به الرئيس بري اثر لقائه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في قصر بعبدا لم يكن مساعدا على الاطلاق، وفهمه بعضهم انه محاولة لإضافة قواعد عمل امام اللجنة لا تتعلق بتلك المعتمدة لديها، وهي خمسة كما حددها رئيس الجمهورية، اي اتفاق الطائف واتفاق الدوحة ومقررات الحوار الوطني والقرار 1701 وخطاب القسم. وتوقف هؤلاء عند اضافة بري البيان الوزاري للحكومة السابقة على رغم التطورات التي طرأت منذ ذلك الحين، وعلى رغم ان اي حكومة لا يمكن ان تعتمد الخطاب نفسه لسابقاتها لاعتبارات متعددة، كما اضاف خطاب الرئيس سليمان في المطار، وبدا كأنه يرمي كرة التعطيل عند الفريق الآخر من خلال تساؤله عما اذا كانت لجنة البيان تحل محل الحوار الذي يعتزم رئيس الجمهورية اطلاقه، علما ان "حزب الله" رفض من خلال المعلومات التي تم تداولها قبل ايام احالة البحث في موضوع المقاومة على طاولة الحوار، كما اقترح في احد الاجتماعات من اجل التعجيل في انهاء البيان الوزاري، علما انه كان رفض الصيغة التي اقترحها البعض من اجل موضوع المقاومة وتمسك بالصياغة التي اعدها هو نفسه من اجل الاحتفال بحقه في المقاومة.
وأوردت هذه الصياغة ما مفاده ان المقاومة الوطنية هي حاجة وطنية وتعبير صادق وطبيعي عن الحق في الدفاع في مواجهة الاعتداءات واستكمال تحرير الاراضي، في حين ان صياغة بديلة معدلة تم اقتراحها تأخذ في الاعتبار ما اورده رئيس الجمهورية في خطاب القسم عن المقاومة من كونها كانت حاجة وطنية، وانه بعد تحرير الارض واستمرار الانتهاكات من واجب الدولة ان تضع استراتيجية شاملة لاسترجاع الارض تقررها السلطة السياسية. وقد رفض الحزب هذه الصيغة، وحين عدلت الى تبني ما اورده خطاب القسم حرفيا في هذا الاطار رفضها الحزب ايضا. وحين انتقلت المناقشة الى اقتراح إرجاء الموضوع الى طاولة الحوار المرتقبة برئاسة رئيس الجمهورية رفض الحزب هذا الاقتراح ايضا. لذلك بدا مستغربا موقف بري من حيث الحض على ترك بعض الامور لطاولة الحوار في حين ان من رفض ذلك كان "حزب الله" تحديدا. كما بدت مستغربة محاولة وضع الامور في هذا الاطار بالنسبة الى عدد من الدول العربية المتابعة للوضع اللبناني، بحيث تبدو الامور مماثلة الى حد كبير لتأليف الحكومة في امرين على الاقل: الاول من حيث ربط موضوع البند المتعلق بالمقاومة بكل البيان الوزاري من جهة، اذ قال الحزب وخصوصا في اللحظات الاخيرة من ولادة الحكومة انه ما لم يوزَّر علي قانصو فإن لا حكومة، وتاليا اضطرت الاكثرية قبل ساعات من مغادرة رئيس الجمهورية الى باريس للتنازل وتسهيل تأليف الحكومة حتى لا يذهب خالي الوفاض. وتتكرر المسألة بضرورة انجاز البيان الوزاري من اجل تحديد زيارة الرئيس سليمان لدمشق، كما تتكرر من حيث تحريض بعض الدول العربية للضغط من اجل انجاز البيان وتسهيل اقلاع عهد سليمان. فهل ينجح هذا السيناريو؟
مصادر قريبة من المعارضة تراهن على ذلك باعتبار السابقة التي سُجلت بشل البلد ما لم توافق المعارضة او بالتحديد "حزب الله"، وحين لم تنجح استُخدم السلاح من اجل فرض ذلك، ومن حيث استمرار الرهان على عدم تماسك الاكثرية وثباتها على مواقفها او بالاحرى تعدد مواقف الافرقاء فيها، فضلا عن ان اللحظات الاخيرة في تأليف الحكومة شهدت تحولا من ضمن الاكثرية قطف الحزب ثماره بتوزير قانصو. وهذا الامر يصح على الافرقاء الذين كانوا منضوين في المعارضة من حيث تمايز جدول اعمالهم، لكن "حزب الله" هو من يمسك بدفة توجيه الاحداث.
