انتصار التمّوزَين
لكأن حرب تموز انتهت الآن. بعد أسر الجنديين من أجل تحرير سمير القنطار، ثمة رجل أحمق توهّم أن بمقدوره أن ينقذهما بالحرب. بعد مرور يومين أبلغه قائد الأركان بأن صواريخ "حزب الله" بعيدة المدى قد دُمرت بالكامل، فأوقعه هذا "الإنجاز" في أتون الحرب التي جرّت الخزي لكيانه الهجين. بدا المشهد مع انتهاء ثلاثة وثلاثين يوماً من العدوان، وكأن معركة رهيبة لم تصل إلى نهاياتها بعد. في الجانب اللبناني كان الثمن هائلاً. هو بالتأكيد أكبر بأضعاف من الثمن المادي والبشري لـ"إسرائيل"، ومع ذلك انتصر لبنان لمجرد أنه صمد، فكسر إرادة العدو من أن تحقق صَلفَها.
يد المقاومة كانت أقسى من اللازم، تماماً كما في عملية الأسر السابقة. مات الجنديان لتوّهما، ومع ذلك انطلقت المفاوضات، ونال "حزب الله" ما أراد منها. عاد سمير القنطار بتفاوض غير مباشر، ومعه أسرى حرب تموز، وكل الجثث التي احتضنتها أرض فلسطين الطاهرة، أعواماً طويلة، في مقبرة أراد العدو أن يكون ساكنوها مجرد أرقام. لم يعد النصر مشوباً الآن، فـ"إسرائيل" أقرت صفقة التبادل التي رفضتها خلال الحرب، يوم عرض الرئيس نبيه بري عودة القنطار مقابل الأسيرين. بعد انتهاء الحرب ارتفع الثمن، وصار التبادل يتطلب كل الشهداء وعدداً "رمزياً" من الأسرى الفلسطينيين الأحياء، ومعهم المأسورون الأربعة خلال حرب تموز.
مع فشل القضاء على "حزب الله"، بات القنطار هو المعيار، وإطلاقه هو النصر، فالحرب اندلعت من أجله في الأساس، وفقدانها أهدافها أرغم أولمرت على قراءة الواقع بشفافية، لا نعرفها نحن العرب، عندما قال: "ليس لدينا أي أوهام. ستعرف إسرائيل حزناً لا يوازيه سوى الإحساس بالذل، نظراً إلى الاحتفالات التي ستجري في الطرف الآخر". وكأن أولمرت أراد أن يقول تعريضاً: إننا هزمنا، وهذه هي النتيجة، لكن ما لم يقله أولمرت، قاله عضو الكنيست سيلفان شالوم، عندما تساءل: "إذا كنا سنقوم بعملية تبادل لاستعادة رفات جنودنا فلماذا خضنا حرباً إذن؟".
ربما يعجَب المرء فعلاً، من قيمة أخلاقية يتفوّق قادة عدوّنا فيها، على القادة العرب كافة، قيمةٍ أجاد وزير النقل الإسرائيلي شاؤول موفاز في التعبير عنها عندما قال: "إذا لم تبحث إسرائيل عن أبنائها، فلن يبحث أبناؤها عنها"!. العجب يبلغ ذروته عندما يعترف هؤلاء بأنهم هُزموا من دون أن يكونوا ملزمين بإبرام تبادل يؤكد هزيمتهم، فقط من اجل استعادة ابنائهم!. العجب نفسه ينقلب إلى خزي عربي عندما نرى حكامنا، "الخانعين" منهم و"الممانعين"، يتناسون كلياً أسراهم وأجداث مواطنيهم لدى العدو.
بالمحصلة، لا يمكن إلا أن تغرورق العيون التي يمتلك أصحابها مشاعر إنسانية، وهي ترى عودة الأسرى وأجداث الشهداء، رغماً عن جبروت العدو. لا يمكن لمواطن يحب وطنه وعروبته إلا أن يفرح. يكفيه أن عدوه يشعر بالخجل والعار ليفرح… في حضرة الشهداء والمقاومين، ثمة متسع للوحدة، وبعد ذلك ثمة ملاحظات كثيرة يجب أن تقال:
1ـ لقد برع "حزب الله" في إدارة مفاوضات صعبة حول الأسرى، رغم أنه كان في وضع لا يُحسد عليه، فالنقاش حول حرب تموز لم ينته، والصراع الداخلي لم يهدأ، والجنديان قتيلان، ومع ذلك نجحت الحلقة الضيقة في "حزب الله" التي تدير المفاوضات نجاحاً باهراً، ليس لأنها حررت خمسة أسرى أحياء ونحو مئتي جثة، ("حزب الله" نفسه حرر في العام 1998 أعداداً أكبر من هذا العدد من الأحياء والشهداء مقابل جثة واحدة) ولكن لأن سمير القنطار كان هو حرب تموز، إن جاز التعبير. هذا النجاح لا يمكن أن يمحو الاعتراض على تغييب الدولة عن التفاوض، ولو شكلياً في المرحلة الراهنة، بانتظار الاتفاق على استراتيجية دفاعية. كما لا يمكن أن يلغي اعتراضاً مفاده أن حزباً، مهما كان حجمه ودوره، لا يمكنه التفرّد بعمل عبر الحدود يؤدي إلى إشعال حرب مدمرة، لاسيما أن "حزب الله" جزء من الدولة، وبإمكانه الضغط وفق الآليات الدستورية لفرض وجهة نظره في التحرير (الأرض والأسرى) وفي الدفاع. أما أن يتفرّد بقرار لا تقتصر مفاعيله عليه وعلى مؤيديه، فهذا أمر لا يجوز في منطق الدول، كما لا يجوز التبرير، والحال هذه، بالقول: "أقيموا دولة ثم حاسبونا بعد ذلك"؟.
2ـ إذا كانت الموضوعية تقتضي الاعتراف لـ"حزب الله" بانتصاره، فإنه من الظلم تغييب شركاء في النصر، يستحقون التكريم. ليس لأنهم واجهوا، وفق ما تسمح به ظروفهم، عدوان "إسرائيل" على لبنان فقط، بل لأنهم تجرّعوا بعد ذلك حملات التخوين الممنهج بصبرٍ وعض على الألم. ينبغي الاعتراف اليوم، ـ والأجواء للوفاق أكثر منها للخلاف ـ بأنه لولا هؤلاء لما انتصر لبنان، لأن المقاومة لم تكن قوة مقاتلة فقط، وإنما كانت ولا تزال قوة شعبية، هدفَ الاحتلال إلى التأثير عليها من خلال التهجير، ولولا الإيواء والاحتضان الذي قام به باقي اللبنانيين المخاصمين اليوم لـ"حزب الله"، لما كان لهذا النصر أن يتحقق شطره الأول بصمود تموز 2006، وشطره الثاني بتفاوض تموز 2008، برعاية من الأمم المتحدة، وبتنفيذ من موفد ألماني أرسلته، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1071، المستند أساساً، على النقاط السبع التي أعلنها الرئيس فؤاد السنيورة خلال الحرب، وتبنّاها المجتمع الدولي بعد ذلك.
3ـ لم يتفاعل اللبنانيون مع تحرير الأسرى بالقدر نفسه، ليس لنقص في الشعور الإنساني والقومي والوطني لدى فريق مقارنة مع الفريق الآخر، وإنما لأسباب لها علاقة بما جرى منذ حرب تموز 2006 وحتى اليوم، وإذا كان بعض خصوم "حزب الله" بإمكانهم التفريق بين "المقاومة" و"الحزب"، من أجل تناسي الجراح التي سببّها "حزب الله" في جسد الوطن جراء مشروع الغلبة المتدثّر بشعار "المشاركة في السلطة"، الذي طبع أداءه منذ حرب تموز، إلا أن الذين ذاقوا مباشرةً مرارة الخطيئة التي ارتكبها "حزب الله" في أيار الماضي، لم يتمكّنوا من المسامحة، خصوصاً أهل بيروت والجبل، ولا يمكن للحزب أن يدفع عن نفسه تبعة الجرائم التي ارتـُكبت، بدعوى أن من قام بها لا ينتسب إليه مباشرة، إذ على فرض صحة ذلك، فإن الأكيد أنه لم يكن لهؤلاء أن يتحركوا لولا قرار الحزب، شن "حملة تأديب" بالسلاح ضد خصومه السياسيين.
4 ـ على الرغم من أن تبادل الأسرى قد جاء في لحظة مفيدة جداً لـ"حزب الله"، عشية صياغة بيان وزاري جديد، وأخذاً في الاعتبار أن صفقة التبادل قد عززت من مكانة "حزب الله" السياسية والشعبية في الداخل والخارج، إلا أن ذلك كله لا يلغي أن "حزب الله" لا يزال حتى هذه اللحظة يفتقد للحلفاء الفعليين لدى السنة والدروز، وأن هذا الاستقطاب المذهبي لا يمكن كسره أو التخفيف منه، إلا بالاتفاق حول استراتيجية دفاعية ترتكز على المحافظة على قوة المقاومة من جهة، وطمأنة الجميع بأن سلاحها موجّه حصراً ضد العدو من جهة أخرى، وهذا الاطمئنان لا يتأتى إلا إذا صار قرار المقاومة بيد الدولة، والمشاركة فيها متاحة لجميع اللبنانيين، بمعزل عن دينهم أو انتمائهم السياسي، كما هي حال الجيش تماماً.
ثمة ملاحظة أخيرة يثيرها مشهد الأمهات الحزينات على أولادهن المعتقلين في السجون السورية. هؤلاء لا مقاومة تردّهم إلى أهلهم غير المطالبة بـ"الحسنى"، مع أن مبررات تحريرهم ينبغي أن تكون هي نفسها، ولا مفاضلة بين أسير لدى "إسرائيل"، ومعتقل لدى سوريا، مع فارق مؤلم، هو أن الأسرى لدى "سجون العدو" يتمتعون بحد أدنى من احترام آدميتهم، والمؤسسات الإنسانية تزورهم، وبمقدورهم النضال لتحصيل حقوقهم، بينما إخوانهم في "سجون الشقيق" مغيّبون عن الوجود تماماً، وإذا ما حاول بعضهم الانتفاض على هدر كرامته وإهانة معتقده، جوبه بالنار!. أليست المقارنة بين سجن صيدنايا السوري وسجن هداريم الإسرائيلي تبعث على الأسى جراء فقدان الكثير من القيم الإنسانية لدى الأنظمة العربية الشقيقة؟!.