محادثات المعلم في بيروت لم تتناول ترسيم الحدود المشتركة وضبطها
استبعاد تقديمات سورية فعلية قبل فتح البوابة الأميركية
حرص رؤساء البعثات الديبلوماسية العاملة في لبنان على الاطلاع على مضمون الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم لبيروت مطلع الاسبوع الحالي والنتائج التي افضت اليها من اجل معرفة حقيقة النيات السورية حيال لبنان في المرحلة المقبلة. وبلغ هؤلاء ان الزيارة لم تحمل الكثير، اي انها اقتصرت على حمل دعوة الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان لزيارة دمشق وفق ما اعلن اصلا عن سبب الزيارة. ولكن لفت هؤلاء إلى ان المعلم تحدث في امرين امام رئيس الجمهورية، اولهما موضوع التبادل الديبلوماسي بين البلدين، وفق ما اشار اليه الرئيس السوري بشار الاسد في باريس اخيرا، ثم مسألة المفقودين في السجون السورية. لكن المعلم لم يتطرق اطلاقا، وفق ما بلغ رؤساء البعثات الديبلوماسية المهتمة، الى موضوع ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، لا من حيث مبدأ الترسيم ولا من حيث موضوع ضبط الحدود بين البلدين على رغم قوله ان بلاده مستعدة لمساعدة الرئيس سليمان.
ويستقطب تطور من هذا النوع في العادة متابعة دقيقة من الخارج، لكنه اكتسب اخيرا بُعدا مختلفا في ضوء محاولة معرفة ماذا يمكن ان يلتزم الرئيس السوري مما قاله في باريس امام الرئيس نيكولا ساركوزي، وما هي طبيعة الامور التي يمكن ان يضعها موضع التنفيذ قبل زيارة ساركوزي المرتقبة للعاصمة السورية في النصف الاول من ايلول المقبل.
ومع عدم تطرق المعلم الى موضوع ترسيم الحدود، لا من قريب ولا من بعيد، وبالتوازي مع متابعة ما يصدر في الاعلام السوري الرسمي المعبّر عن سياسة النظام في سوريا، لم يظهر رؤساء بعثات الدول المعنية تفاؤلا بما يمكن ان تقدمه سوريا وخصوصا انها تحاول ان تملي مباشرة عبر اعلامها وبالواسطة عبر حلفائها حتى مضمون البيان الوزاري، الامر الذي يعتبر سلبيا جدا في مؤشراته الى متابعة سوريا من دون اي غموض او التباس التدخل في الشأن اللبناني الداخلي، أكانت تفعل ذلك كي تؤكد للخارج انها لا تزال صاحبة النفوذ الاقوى في لبنان، ام من خلال تبنيها "مكاسب" حلفائها، او القفز عليها وتجييرها لنفسها باعتبار انها وحلفاءها متكاملان.
ويقر بعض رؤساء البعثات المعنية بان انفتاح باريس على سوريا شكل ضربة كبيرة للتوجه الاستقلالي في لبنان، واتى ليتوج مجموعة من التغييرات في الاولويات، وخصوصا مع فتح باب المفاوضات بين سوريا واسرائيل مجددا. فالمفاوضات الجارية بين البلدين بوساطة تركية، وكل ما يتعلق باسرائيل، يشكل جاذبا قويا بالنسبة الى بعض الدول المؤثرة، وقد استطاعت سوريا ان تعيد فتح الباب الخارجي عليها وفك عزلتها من خلال الباب الاسرائيلي. وهذا الوضع لن يقتصر على فرنسا التي لم يخف رئيسها ان احد عوامل اعادة العلاقات السياسية بين بلاده وسوريا كان موضوع معاودة المفاوضات بين سوريا واسرائيل والتي تشهد تقدما، بل يمكن ان تنسحب ايضا على الولايات المتحدة الاميركية. فالوفد السوري غير الرسمي الزائر لواشنطن سبقته دراسات لمراكز ابحاث اعدها ديبلوماسيون سابقون، اما لتثميرها وتوظيفها في ما تبقى من ولاية الرئيس الاميركي جورج بوش او لتفيد منها الادارة الاميركية المقبلة وجعلها في اولوياتها. وتروج هذه الدراسات لاعادة الحوار بين واشنطن ودمشق انطلاقا من السيناريوات المحتملة لدخول الولايات المتحدة على خط التفاوض الجاري بين سوريا واسرائيل ومطلب البلدين وخصوصا سوريا رعاية اميركية للمفاوضات الجارية. وبحسب ما تردد من معلومات فان اعادة مساعد وزير الخارجية الاميركية ديفيد ولش النظر في احتمال لقائه الوفد كان تحاشيا لسوء فهم هذه الخطوة، وخصوصا ان سوريا تحسن توظيف اي لقاء في اطار الانفتاح المستجد الذي ينفيه حتى الآن المسؤولون الاميركيون.
لكن بعض المعطيات التي وصلت الى مسؤولين لبنانيين تحدث عن استقبال نائب ولش السفير الشفير الاميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان للوفد السوري. لكن هؤلاء المسؤولين وان بدوا مطمئنين الى الموقف الاميركي، وخصوصا اذا كان الملف في عهدة فيلتمان، فضلا عن ان الدراسات كلها اخذت في الاعتبار الموقف الاميركي الجديد من لبنان والمطالب الاميركية من سوريا في هذا الشأن، فهذا لا ينفي استعدادات الديبلوماسية الاميركية او تحضيراتها لاعادة التموضع وفقا للتطورات ولقول وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ان لا اعداء دائمين في السياسة وذلك في اطار الحديث عن امكان التفاوض مع طهران. وهذا يعني عمليا، بالنسبة الى رؤساء البعثات الديبلوماسية، تأكيد الانطباعات التي خلفتها زيارة المعلم لبيروت حول احتمال انتظار بت تطورات العلاقات بين لبنان وسوريا لبيعها من الاميركيين وليس من فرنسا او اي بلد آخر، حتى ولو كان موضوع التبادل الديبلوماسي وحده دون ترسيم الحدود. في حين ان موضوع المعتقلين سيكون اسهل في ضوء توقعات بحسم عدم وجود احد من المفقودين لدى سوريا، وتاليا اعتبارهم من المخفيين قسرا في لبنان، وذلك استنادا الى سعي افرقاء من المعارضة لتضمين البيان الوزاري هذا الرد، وتاليا تحميل افرقاء الحرب تبعة المخفيين قسرا، علما ان ثمة توقعات بان تطلق سوريا بعض المحكومين جنائيا لديها، وتعتبر بعد ذلك انها اقفلت ملف المفقودين نهائيا، على ما يتوقع بعض الديبلوماسيين المهتمين.
