في ضوء تجربة السنوات الـ3 الأخيرة وفي ظلّ واقع تطلّع "حزب الله" إلى "التحكّم" بواسطة سلاحه
كي لا تكون انتخابات 2009 الأخيرة.. إن حصلت
تفيدُ تجربة السنوات الثلاث الماضية انّ فريق 14 آذار الذي استطاع الفوز بأكثرية نيابية في الإنتخابات السابقة لم يستطع في المقابل أن يحكم، ولم يمكّن من أن يحكم.
التشكيك في نتائج انتخابات 2005
بُعيد تلك الإنتخابات، إنطلق التشكيك بنتائجها من جانب "الفريق الآخر". فتارةً كان يُنسب فوز 14 آذار بالأكثرية إلى "التحالف الرباعي" الذي قام في إنتخابات العام 2005، وتارةً أخرى كان يُنسب إلى قانون الإنتخاب الذي يُنتج تمثيلاً مزوّراً للشرائح الطائفية والقوى السياسية. واستند "الفريق الآخر" إلى يافطتَي "التحالف الرباعي" وقانون الإنتخاب ليخوض معركة سياسية بلا هوادة من أجل منع الأكثرية من ممارسة الحكم.
الانقلاب على مفاهيم الطائف
ولأنّ "الفريق الآخر" يعرفُ في العمق أن لا غطاء دستورياً لرفضه نتائج الإنتخابات ولرفضه حكم الأكثرية تالياً، فقد أسند مشروعه التعطيلي إلى "قاموس" ميثاقي ودستوري "جديد" وخاص به. صارت الديموقراطية البرلمانية "ديموقراطية توافقية" عندما يريد. وصارت "حكومة الوفاق الوطني" التي نصّ عليها إتفاق الطائف لمهمات محددة بعد إقراره حكومةً مفروضة ومحتمة في كل الأزمنة. وصار اسمها "حكومة الوحدة الوطنية". وصار تعريف "الوحدة الوطنية" بـ"الثلث المعطّل" أو "الضامن" (!). وصارت الأكثرية والأقلية ـ البرلمانيتان ـ تحظيان لا بـ"حقوق" متساوية حتّى بل للأقلية إمتياز "الفيتو". وصار الطائف أي "شيء" إلا هو نفسه.
وفي غضون ذلك، لجأ "الفريق الآخر" ليس فقط إلى منع الأكثرية من ممارسة أكثريتها بل مارس سياسته الخاصة من جانب واحد ـ أي من دون إتفاق مع الأكثرية ـ وفرض على البلد نتائج تلك السياسة المنفردة والمتفرّدة وطالب الأكثرية بأن تخضع لها تحت طائلة التخوين حيناً ودفع البلاد إلى الإنهيار الاقتصادي أي المزيد منه حيناً آخر.
صمود 14 آذار استدعى "الكي" بالسلاح
صمدت الأكثرية ورفضت الاعتراف لـ"الفريق الآخر" بما يدّعيه من "حقوق"، وأكدت انّ لا أزمة "مشاركة" من وجهة نظرها لأنّ في وسعه المشاركة لكن ليس له حقّ التعطيل، منطلقةً في ذلك من إتفاق الطائف الذي حسم بالشراكة الوطنية وقواعدها وفصل بين الحقوق المتساوية للطوائف وبين "مطالب" القوى السياسية فيها. وسعت، بالسبيل الديموقراطي السلمي الشعبي، إلى تظهير وإعادة تظهير أكثريتها.
لكن أمراً آخر كان في إنتظار 14 آذار. فبعد نحو سنتين من التأزم الشديد، ورداً على صمود الأكثرية وإصرارها على قيامة الدولة، أي على إلغاء كل "ثنائية" أو "أزدواجية" معها، أدار "حزب الله" سلاحه نحوها في أيار الماضي. وبكلام آخر، فإن الإنقلاب الذي بدأ "سياسياً" صار "عسكرياً". وحقيقة الأمر أنّ "حزب الله" لم يكن ليبدأ إنقلابه "السياسي" في 2006 لولا أنّه كان يعرف أنّه سيستخدم سلاحه "عندما تدعو الحاجة"، وقد دعته "حاجته" في أيار 2008 إلى إستخدامه لتغيير التوازن السياسي في البلد.
تأسيساً على ما تقدّم، لا مفرّ من القول إنّ عدم الإعتراف بالعملية الإنتخابية الديموقراطية وبنتائجها ثم الإنقلاب عليها كانا ممكنَين ومتاحَين أمام "حزب الله" بسبب سلاحه.. أي ليس فقط لا يستوي قيام الدولة بوجود "دولة" تجاورها ويستحيل السلم الأهلي بوجود سلاح في يد فريق معيّن، بل لا أساس لعملية سياسية ديموقراطية بوجود السلاح "وحضوره".
النجاح في الانتخابات لا يعني الحكم (!)
هذا كلّه ماذا يعني اليوم؟
في ضوء التجربة "المريرة"، من حقّ الأكثرية ـ أي 14 آذار ـ أن تخشى حصول الإنتخابات النيابية العام المقبل 2009 بوجود السلاح، لأنّ إستخدامه لم يكن في السنوات الأخيرة مجرّد إحتمال أو تقدير، بل تمّ بـ"الفعل". ومن حقها أن تخشى من أنها حتّى لو نجحت في تجديد أكثريتها العام المقبل لن تمكّن من الحكم.
وبكلام أوضح، ومع أنّ الاقتراع في الصناديق لصالحها هو الردّ على السلاح "مبدئياً"، فإنّ الإنتخابات لن تجري بلا ضغط السلاح أو "شبحه"، لأنّ الإنتخابات ليست مجرّد صناديق إقتراع بل هي "مناخ" يسبقها وتنافسٌ متساوٍ في إطارها ومقوّمات ديموقراطية ترتكز عليها.
"حزب الله"..و"توحيد" الانتخابات والسلطة
على انّ السبب الرئيسي للخشية سياسياً فضلاً عن الإعتبارات المبدئية، يتعلّق بـ"حزب الله" نفسه.
فاذا كانت 14 آذار لا تريد أن تُلدغ من الجحر مجدّداً، فإنّ "حزب الله" نفسه لا يريد تكرار ظهوره بصورة إنقلابية كما كان الأمر خلال السنوات الأخيرة.
فمن منطلق تجربته، أي من زاويته هو، ليس "مُستحباً" أن تأتي نتائج الانتخابات في مصلحة 14 آذار فيكون مضطراً ـ مرة ثانية ـ الى الانقلاب عليها وإثبات أنه يمكن لنتائج الانتخابات أن تكون في "مكان" لكن القرار ـ قرار الدولة ـ في "مكان" آخر. فـ"الأفضل" و"الأحسن" أن تُحسم الأمور دفعة واحدة، أي "توحيد" نتائج الانتخابات والسلطة المقبلة.
وحقيقة الأمر هنا، أن الخوف الأكبر ـ بوجود السلاح واستمراره ـ هو من أن تكون انتخابات 2009 إن حصلت، آخر انتخابات بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي ألاّ تعود الانتخابات معبراً الى تحديد التوازن السياسي في البلاد وحسمه لفترة أربع سنوات، وألاّ تعود عنواناً للديموقراطية و"ملاذاً" لها. ذلك أن انتخابات 2009 ليست مفصلاً سياسياً مهماً وحسب، لكنها مفصلٌ على مستوى النظام السياسي وآلياته.
الالتباس: "التحكّم" لا "الحكم"
كذلك فإن حقيقة الأمر هي أن هامش "الالتباس" في تجربة "حزب الله"، لا يجوز أن يبقى "طلسماً" أو "أحجية". فقد يكون التبس على قسم كبير من اللبنانيين ما إذا كان "حزب الله" يريد "إستلام" السلطة مباشرةً أو أنه لا يهدف الى ذلك. من جانب "حزب الله" الجواب مُعلن وهو أن لا هدف له في هذا الاتجاه. ويجب تصديق هذا الجواب، بمعنى أن الحزب يريد "تسيير" السلطة من غير أن يستلّمها مباشرةً. وفي وضع كالوضع اللبناني، من "الطبيعي" أن "يفضّل" الحزب "توجيه" السلطة بقوّته على أن يكون في الواجهة. وهو ـ محتفظاً بسلاحه ـ لا يجد ضيراً من وجود واجهة سياسية "تعدّدية" للسلطة. وبكلام آخر، إذا كان "حزب الله" يستطيع أن "يتحكم" بلبنان فما الذي يضطرّه الى "حكمه" مباشرةً؟ وكيف لا يكون "التحكّم" أفضل له من "الحكم"؟
من هنا، وتأسيساً على تجربة السنوات الثلاث الأخيرة و"عِبرها"، لا بد من كسر الحلقة المفرغة: إما انتخابات لا يُعترف بنتائجها وتعطيل للحكم، أو انتخابات محسومة نتائجها ـ بوجود السلاح ـ وتحكّم بالبلاد.
المعالجة اليوم وليس غداً
إن السلاح، سلاح "حزب الله" هو الموضوع الذي يجب "معالجته" قبل الانتخابات بل قبل فترة "مريحة" منها. وإذا كان "اتفاق الدوحة" أرسى "قاعدة" عامة بشأن عدم جواز استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية، فإن مسؤولية الحكومة في بيانها الوزاري أن تضع الآليات الضامنة والكفيلة بعدم استخدامه. وإذا كان "حزب الله" لا يزال "يبرّر" سلاحه بـ"المقاومة" ويعتبر أنه يجوز له ـ وكان يجوز له ـ أن يستخدم السلاح للدفاع عن السلاح، فلا بد ـ في المقابل ـ من الانتباه في ضوء ما يقوله الى أنه لا يمكن والحالة هذه قسمة السلاح الى قسمين، "مقاوم" و"أمني" لأنه هو نفسه يعتبره سلاحاً "واحداً".
في البيان الوزاري إن أمكن، لكن في مؤتمر الحوار في بعبدا بالتأكيد يجب أن تُحسم المسألة، مسألة إزدواجية السلاح بين الدولة و"حزب الله" وأن يكون "حزب الله" ضمن الدولة لا مجرّد "جزء من الاستراتيجية الدفاعية" لأن التوصيف الأخير يعني بقاء الأمور على ما هي عليه الآن.