بوجود السلاح… أيّ لبنان نريد؟
د. نبيل سركيس
لا شك في أنّ موضوع السلاح خارج الشرعية سيكون عنوان المرحلة المقبلة . وهذا الموضوع سيكون العقدة الأساسية في الإفراج عن البيان الوزاري وفي حال عدم الإتفاق عليه قبل البيان الوزاري فسينتقل طبقا" دسما" على مائدة الحوار برعاية رئيس الجمهورية .
أمّا لماذا الكلام عن السلاح وفي هذا الوقت بالذات ، فلأنّه بعد حرب تموز وصدور القرار 1701 لم يعد هذا السلاح على تماس مباشر مع الإسرائيلي في الجنوب بسبب انشاء المنطقة العازلة ووجود القوات الدولية والجيش اللبناني فيها وبالتالي فإنّ أيّ عمل عسكري في هذه المنطقة يعتبر خرقا" للقرارات الدولية . وهكذا يكون هذا السلاح قد فقد دوره في مقاومة اسرائيل وأكبر دليل على ذلك هو عدم القيام بأيّ عمل عسكري مقاوم منذ انتهاء حرب تموز 2006 . أمّا مقولة أنّ هذا السلاح هو لحماية لبنان من أيّ اعتداء اسرئيلي في المستقبل فقول منقوص ومردود لأنّ الدفاع عن لبنان في حال تعرّضه لأيّ اعتداء خارجي غير مبرر أكان اسرائيليا" أو غيره ، يجب أن يكون من مسؤولية الدولة اللبنانية والجيش اللبناني وكل الشعب اللبناني وليس فئة معيّنة لوحدها . ووظيفة هذا السلاح يجب أن تكون تحت إشراف وإمرة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني ، وهذا ما يجب أن يُبحث به عند درس الإستراتيجية الدفاعية .
ولأنّ هذا السلاح فقد دوره في الجنوب فقد وُجّه الى الداخل في 07 أيار الماضي لفرض إرادة سياسية تحت ضغط السلاح وهذا ما تطرّق له اتفاق الدوحة بكل وضوح . وبالتالي فإنّ هذا السلاح بعد أحداث أيار المؤلمة وبعد اتفاق الدوحة أصبح تحت المجهر واستنفد امكانية استعماله داخليا" .
أمّا اذا لم يتم التوصل الى حلّ لهذا الموضوع حتى مع جلسات الحوار بحسب اتفاق الدوحة ، فهو سيتحوّل حتما" عنوانا" للمرحلة المقبلة وخاصة" للإنتخابات النيابية حيث سيكون على الناخب اللبناني أن يختار بين خيار الدولة اللبنانية القوية الحاضنة لجميع أبنائها ، وخيار دولة ولاية الفقيه التي أصبحت كل مقوماتها في لبنان شبه جاهزة وحيث يحتاج حزب الله للحصول على الأكثرية مع حلفائه في الإنتخابات النيابية المقبلة لإحداث الإنقلاب الكبير بالطرق السلمية وإلاّ فإنّ السلاح موجود لفرضه بالقوة .
وإذا كان البعض يعتبر أنّ ما نقوله مبالغ فيه فنحن سنبيّن بعض الوقائع التي تدعم ما نقول . وكم نحن نتمنى أن نكون على خطأ في ما نقوله وأن يعطي حزب الله ما يدحض هذه المخاوف .
لقد دعا نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في خطاب له قبل بضعة أسابيع الى ضرورة الإتفاق على أيّ لبنان نريد ، ثمّ ما لبث أن أوضح أنّ حزب الله يريد لبنان أن يكون دولة مقاومة ومجتمع مقاومة دون إظهار ما يترتب على ذلك من تضحيات وموجبات على المكلّف اللبناني ، ودون توضيح أيضا" الى متى على هذا اللبنان أن يبقى دولة مقاومة .
وبما أنّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وفي خطابه غداة جلسة انتخاب الرئيس ميشال سليمان وخطاب القسم قد أعلن بصراحة أنه جندي في ولاية الفقيه ، وبعد أن كان السيد نواف الموسوي قد توعّد بأنّ فريقه لن يقبل بتعيين أيّ مسؤول لمركز عسكري أو أمني إذا لم يكن في خط المقاومة وموافق عليه منهم ، ولضرورات البحث ، ولمقاربة أكثر موضوعية لهذا السؤال رأيت الإستشهاد ببعض ما جاء في كتاب : “ حزب الله ، المنهج… التجربة… المستقبل… ” للشيخ نعيم قاسم .
يتحدث الشيخ نعيم قاسم عن ولاية الفقيه فيقول في الصفحة 72 من الكتاب : “ هذه الولاية ضرورية لحفظ وتطبيق الإسلام ، فلا يمكن التعاطي مع المشروع الإسلامي الكبير بمبادرات فردية أو أعمال منفصلة عن بعضها البعض ، بل لا بد من خطٍ عام يربط عمليا" الأمة مع بعضها البعض ، وهذا الذي يتم من خلال قيادة الولي الفقيه ورعايته ” .
وتحت عنوان “ ارتباط الحزب بالولي الفقيه ” ص. 77 يقول الشيخ قاسم : “ الإرتباط بالولاية تكليف والتزام يشمل جميع المكلّفين ” . ثم يوضح “ ان التزام حزب الله بولاية الفقيه حلقة من هذه السلسلة ، إنه عمل في دائرة الإسلام وتطبيق أحكامه ، وهو سلوك في اطار التوجهات والقواعد التي رسمها الولي الفقيه . ثم تكون الإدارة والمتابعة ومواكبة التفاصيل والجزئيات ، والقيام بالإجراءات المناسبة ، والعمل السياسي اليومي ، والحركة الثقافية والإجتماعية ، بل والجهاد ضد المحتل الإسرائيلي بتفاصيله ، من مسؤولية القيادة المنتخبة من كوادر الحزب بحسب النظام الداخلي المعتمد ، والتي تتمثل بالشورى التي يرأسها الأمين العام ، والتي تحصل على شرعيتها من الفقيه ، فيكون لها من الصلاحيات الواسعة والتفويض ما يساعدها على القيام بمهامها ، ضمن هامش ذاتي وخاص ينسجم مع تقدير الشورى للأداء التنفيذي النافع والمفيد لساحة عملها ” .
وعن حدود هذه الصلاحيات يتابع الشيخ قاسم : “ تنعكس هذه الصلاحيات استقلالا" كبيرا" في الأداء العملي ، ولا حاجة لمتابعة يومية من الولي الفقيه ، فإذا واجهت قيادة الحزب قضايا كبرى تشكّل منعطفا" في الأداء ، أو تؤثّر على قاعدة من قواعد العمل ، أو تعتبر مفصلا" رئيسا" ، أو تتطلب معرفة الحكم الشرعي فيها ، عندها تبادر الى السؤال أو أخذ الإذن لإضفاء الشرعية على الفعل أو عدمه ”.
من كل ذلك يتبيّن لنا بكل وضوح أنّ ارتباط حزب الله وولاءه ومرجعيته هم خارج الحدود اللبنانية وإن كانت مكوّنات هذا الحزب وعناصره لبنانيون . وهذا الكلام ليس اتهاما" أو ما شابه ، إنّما حقيقة ثابتة أصبح يجاهر بها حتى مسؤولو الحزب أنفسهم وإن أضافوا عليها اعلان امتلاكهم لهامش تحرك لمراعاة خصوصية المجتمع الذي يوجدون فيه . وهذا الكلام يتلاقى مع حقيقة تاريخية هي أن نشأة حزب الله في بداية الثمانينات كانت بهدف تصدير الثورة الإيرانية ومبادئها الى الخارج . والمجاهرة بهذا الإرتباط من قبل حزب الله ، وإن كان يقلقنا من حيث المضمون ، فإنّه يحمل بعض الإيجابيات من حيث الشكل حيث أنّه يسهّل على باقي الأفرقاء اللبنانيين معرفة حقيقة ما يفكّر به هذا الفريق وبالتالي امّا محاورته على أفكاره والتزاماته ، وإمّا اعداد العدة لمواجهة هذا المشروع .
إذن على المستوى الإيديولوجي هناك افتراق كبير بين أهداف حزب الله وتطلعاته وأهداف وتطلعات معظم باقي مكوّنات الشعب اللبناني وللبحث صلة .
أما ترجمة ما يدعو اليه حزب الله على الصعيد العملي تعني أنّ على المواطن اللبناني أن يختار اليوم بين الدولة المدنية والدولة المقاومة ، أي بين مثال هونغ كونغ ومثال هانوي ، وبين منطق الدولة الدولة ومنطق الدولة الدويلة ، بين ثقافة السلام وثقافة الحروب الدائمة ، بين الانتماء الى المجتمع الدولي الحر أوالتخلي عن كل المجتمع الدولي والعربي والإكتفاء بالعلاقة مع سوريا وإيران .
فهل كل اللبنانيين اليوم ، وبعد كل العذابات التي ذاقوها والدموع التي ذرفوها على الأقل منذ ثلاثة وثلاثين سنة ، وبعد هجرة أبنائهم ، هل هم على استعداد لتحويل لبنان الى دولة مقاومة دائمة وللعيش في مجتمع مقاوم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ؟ وهل اللبنانيون مستعدّون لأن يعيشوا في هذا القلق الدائم على مصيرهم ومصير أولادهم وأرزاقهم : متى يضرب حزب الله ؟ متى تردّ اسرائيل ؟ كيف سترد ايران ؟ ماذا ستفعل سوريا ؟ هل تضرب الولايات المتحدة ايران ؟ هل سترد ايران في لبنان ؟
إنّ الشرخ اللبناني يتعمّق يوما" بعد يوم على قاعدة الخيارات الوطنية أكثر منه على القاعدة الطائفية وإن كان قسم من الصراع يرتكز على مكونات طائفية إنّما الصراع في حد ذاته لا يزال يغلب فيه الطابع الإيديولوجي على الطابع الطائفي .
فنحن طبعا" بحاجة للإتفاق على أيّ لبنان نريد . فعندما يتوعّد السيد حسن نصرالله الأميركيين ويقول أنّه لا يعترف بالمجتمع الدولي فهل هو يتكلّم بإسمه وبإسم حزبه أو بإسمنا وبإسم كل الشعب اللبناني ؟ فإذا كان يعتبر أنّه يتكلم بإسم كل اللبنانيين فالأفضل عندها أن تصدر المواقف الوطنية والرسمية عن المؤسسات الشرعية والدستورية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء والمجلس النيابي . وإلا ماذا سيكون عليه الوضع إذا قام سعد الحريري أو وليد جنبلاط أو سمير جعجع على سبيل المثال ، ومع حفظ الألقاب ، بالتهديد بمحاربة سوريا أو ايران وبتنفيذ عمليات ضد أهداف سورية او ايرانية وإلزام كلّ اللبنانيين بهذه المواقف ؟ هل سيبقى دور للدولة اللبنانية عندئذٍ ؟
عندما نرى السيد حسن نصرالله وغيره من قياديي حزب الله يتكلمون أمام الجماهير المعبأة نتأكد أنه لا يمكن أن يكون مشروع حزب الله مشروع الدولة التي يتطلع اليها كل اللبنانيين . فأمام هذا المشهد نتيقّن أنه بالنسبة اليهم إما تكون الدولة على شكل دويلتهم بتركيبتها وايديولوجيتها وأهدافها واما لا تكون دولة . فنحن هنا نسأل هل يطلب منا حزب الله أن ننضم نحن الى دويلته بدلا" أن ينضم هو الى الدولة الشرعية ؟
وإذا كان جوابنا هو الرفض وهو طبعا" كذلك فكيف سيكون الحل اذا" ؟ أولن يكون هناك نهاية لهذا المأزق الذي نعيش ؟ هنا المشكلة نقولها بصراحة . فهم قالوا أيّ لبنان يريدون ونحن قلنا أيّ لبنان نريد . فكيف السبيل اذا" الى الإتفاق ؟ وهل سيفرضون علينا لبنان الذي يريدون بالقوة ؟ فهل كلّ ما يجري منذ حوالي ثلاث سنوات يصبّ في هذا الإتجاه ؟ وهل سنكون أمام خيار إلهي آخر: إمّا الإستسلام وإما الخراب تمهيدا" للإخضاع ؟ وهل كل ما يجري اليوم هو فقط هدنة لتمرير الوقت ؟
إنّها أكبر من أزمة عابرة إنّها أزمة كيان وأزمة مصير وطن وشعب بأكمله .
لكن بالرغم من كل شيء فإنّ الدعوة لمعرفة أي لبنان نريد يمكن أن تعتبر مدخلا" إيجابيا" للولوج الى جوهر الخلاف ومقاربته ومحاولة البحث عن حلٍ له أو الوصول الى قواسم مشتركة ، خاصة" أنّها تتلاقى مع دعوة الفريق اللبناني الآخر منذ مدة غير قصيرة لضرورة مواجهة هذا السؤال والإجابة عليه .