Site icon Lebanese Forces Official Website

البيان الوزاري محكوم بخطرين: إيراني مُرجأ وسوري داهم

البيان الوزاري محكوم بخطرين: إيراني مُرجأ وسوري داهم

لا يستطيع "حزب الله" أن يتنازل عن وجود فقرة في البيان الوزاري تُمدّد الشرعية الحكومية المعطاة لـ"المقاومة الإسلامية في لبنان".

هذا التنازل ليس بمتناول يديه، حتى ولو اقتنع به، على اعتبار أن ما يُصطلح على تسميتها "مقاومة" ليست شأناً لبنانياً على الإطلاق، بل هي شأن إيراني بامتياز، لا بل حاجة إيرانية ملحة في المرحلة الزمنية التي تُغطّي عمر الحكومة الحالية.

ووجود بند في بيان وزاري هي مسألة وجودية، فإيران لم تكن في أي لحظة بحاجة الى "حزب الله" حاجتها إليه في هذه اللحظة الدولية بالذات، بعدما جعلته جزءاً لا يتجزّأ من "سلة الحوافز"التي تُقدمها للمجتمع الدولي في إطار "الكباش" معه حول "الملف النووي".

وبهذا المعنى، فإن "حزب الله" يستحيل أن يُعطي أي إشارة الى الغرب والشرق بأن القوى اللبنانية قادرة على تعديل مساره، في إطار بحث داخلي، وفي سياق البحث عن المصلحة الوطنية العليا.

وهذه الحقيقة لم يعد يتستّر عليها أحد، لا في لبنان ولا في إيران.

بالأمس القريب، فاخر الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بأنه "فرد في ولاية الفقيه"، في رسالة فهم منها "من عليهم أن يفهموا"، أن سلاح حزبه ووجهته كما خموده وثورته، مرتبطة بتكليف شرعي يصدر عن المرجعية العليا في إيران.

وقبل ثلاثة أيام، ومن دون أن يرف جفن لكل الأحزاب والتيارات المنضوية، قديماً ولاحقاً، في إطار قوى الثامن من آذار، أعلن نائب الرئيس الإيراني رضا آغا زاده، أن "بدء المفاوضات بين إيران والمجتمع الدولي يمكن أن يؤدي الى حل لكثير من المشاكل، كالتي يعاني منها لبنان والعراق".

والعارفون بحقائق الأمور، يؤكدون أن "حزب الله"، "استنجد" بإسرائيل لتقوية ضغطه الرامي الى تمديد "شرعيته الحكومية"، وذلك من خلال "تنازله"، وبصورة مفاجئة، عن شرط الإفراج عن معتقلين عرب في السجون الإسرائيلية، في سياق المفاوضات للتوصل الى صفقة الأسرى، التي يتوسّلها حالياً من أجل شنّ حملة على كل من يطالب بإضعاف "القوة التي أعادت الى لبنان عزّته وبنيه وكرامته".

وأسباب "حزب الله"، ليست قابلة للاستعمال من الفريق الآخر على الإطلاق، بمعنى أنها لا تُعين القوى السياسية الأخرى المتجمعة في إطار حركة 14 آذار، على تبرير أي تشدد تُبديه، لسد الطريق الى البيان الوزاري أمام "المقاومة الإسلامية في لبنان"، وسبب ذلك يعود الى أن "حزب الله" مستعد للذهاب الى مواجهة مسلحة لإتمام "تكليفه الشرعي"، في حين أن القوى المناوئة لتوجهاته الإقليمية أثبتت في أيار الماضي أنها ترفض خوض حرب أهلية، وهي تعتبر أن ملاذها يبقى في الدولة، حتى ولو كانت واهنة وضعيفة ومريضة.
وهذه اللوحة السياسية التي تتمظهر اليوم، سبق أن اكتملت بكل عناصرها في أيار الماضي، بحيث أبدى "حزب الله" تعلّقاً منقطع النظير بحاجته الى غطاء الشرعية.

يومها، كان الحزب يُدرك أن قراري المطار وشبكة الاتصالات الخاصة به غير قابلين للتنفيذ، ووصلت إليه رسائل بهذا المعنى، ولكنه رفض الإتكاء على قوة الأمر الواقع فقط، بل استعمل هذه القوة من أجل أن يُبقي نفسه متدثراً بغطاء الشرعية.

والعودة الى استعمال هذه القوة بالتحديد، هي القطبة المخفية في كل أدبيات "حزب الله"، بحيث تراه، كلّما دخل في حوار صعب حول مطلب من مطالبه، يلجأ الى اللازمة التي لا تعني سوى التهديد بالنيران والقتل والفتنة: انهيار اتفاق الدوحة.

أمام هذه المعطيات، ما العمل ؟

ثمة أطراف في لبنان، تُعرب عن اعتقادها بأن القبول بما يطالب به "حزب الله" ليس استسلاماً له فحسب بل هو تسليم البلاد الى الإرادة الإيرانية، بحيث يُصبح مستقبل لبنان رهناً بأي قرار تجده إيران ملائماً لها، فإذا وجدت أن إشعال مواجهة مع إسرائيل يُعزّز مواقعها التفاوضية فهذا يعني أن لبنان الذي أقر بشرعية "المقاومة" الموصوفة إيرانيتها، هو الذي سيتحمّل تبعات تدميرية غير مسبوقة، ولهذا فإن الحكمة تقضي بفصل الدولة عن المقاومة من دون أن يجر ذلك الى تصادم بين الدولة والمقاومة.

إلا أن أوساطاً سياسية أخرى، تعتبر أن هذا المنحى، ولو كان صحيحاً من ناحية القانون الدولي فهو ليس كذلك من الناحية العملية، على اعتبار أن تل أبيب اتّخذت القرار وبلّغته الى جميع من يعنيهم الأمر بأن إقدام "حزب الله" على المس بأمنها، سواء في إسرائيل أم في الخارج، سيؤدي الى تدمير لبنان، كل لبنان، ف"حزب الله" لم يعد هو العدو المستهدف حصراً بل الدولة اللبنانية التي تتحمّل مسؤولية إيوائه والصمت عن أعماله والعجز أمامه، كحالة أفغانستان مع تنظيم القاعدة، بعد ضربات الحادي عشر من أيلول الإرهابية.

وبهذا المعنى ترى هذه الأوساط أن "حزب الله" وإسرائيل متشابهان، فالإثنان يريدان أسر الدولة اللبنانية تحقيقاً لمصالحهما المتضاربة، والإثنان يتكئان على فائض القوة من أجل تحقيق أهدافهما اللبنانية.

وتأسيساً على هذا الواقع السيئ، تدعو هذه الأوساط الى تخطي الجدال على البيان الوزاري "بالتي هي أحسن" من أجل السماح بإطلاق عجلة المؤسسات، لأن البديل الوحيد عن ذلك، هو انقضاء المهلة الدستورية لتقديم البيان الوزاري أمام المجلس النيابي، وهي ثلاثون يوماً، ولم يتبق منها سوى أيام قليلة فقط، وتالياً إدخال لبنان في فوضى دستورية، كما في فوضى أمنية على اعتبار أن شعار "السلاح من أجل السلاح" لا يزال ساري المفعول، وهو في مفهوم "حزب الله" لا يعني مطلقاً استعمال السلاح في الداخل، بل منع "مؤامرة الداخل مع الأميركيين" (كذا) من "النيل من المقاومة".

وفي اعتقاد هذه الأوساط أن الضرر المحتمل من لعبة إيرانية ­ إسرائيلية واقع لا محالة، بفعل الأمر الواقع، ولذلك لا بد من "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" بإعادة الاعتبار الى وظيفة الدولة، من جهة أولى وإعطاء رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان فرصة إطلاق الحوار الوطني بحضور عربي، وفق منطوق اتفاق الدوحة، لوضع استراتيجية دفاعية يستحيل إلا أن تكون موزّعة على مراحل تفصل بين مرحلة أمر الواقع وبين مرحلة الأمر المُرتجى، من جهة ثانية.

ولا يُمكن لمن يُدقق جداً بالمسار السياسي الداخلي إلا أن يكتشف بُعداً سورياً في غاية الخطورة يرتسم في أفق إدارة الاختلاف حول البيان الوزاري، فميدانياً، تنشط الميليشيات التي أنشأتها المخابرات السورية في جبل محسن كما في طرابلس، على جذب البلاد الى هاوية الحرب الطائفية، وسياسياً ينشط "سوريو لبنان" ـ وبينهم كريم بقرادوني الذي لن تجف دموعه من البكاء على الوزير الشهيد بيار الجميل ـ الى جذب رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الى هاوية صراع المواقف من خلال "تخوينه"، على أمل إعادة خلط الأوراق في لبنان، في ظل فترة "الصفقات القذرة" التي سوف تستكمل الاستعدادات السورية ـ الإسرائيلية للجلوس علناً إلى طاولة المفاوضات.

وعلى هذا الأساس، فإن حوار البيان الوزاري محكوم بأن يختار بين خطر إيراني مرجأ يتجلى بتنفيذ مطالب "حزب الله" وبين خطر سوري داهم يتجلّى بمقاومة "المقاومة" على ورق البيان الوزاري حتى… آخر المطاف.

 

Exit mobile version