#adsense

الشهيد والقبر البعيد

حجم الخط

الشهيد والقبر البعيد

لست نادما على ما فعلت. ولو تكرر المشهد لاتخذت القرار نفسه. بلا تردد او تمهّل او تباخل. اعرف حجم الخسائر الشخصية. كبيرة وفادحة. تلك الصبية التي احببت حرمتها فرصة الوصول الى العرس. وحرمت نفسي من اطفال تكرج ضحكاتهم على جدران قلبي. أعرف ان الدمع افترس ايام أمي. كنت أحس بوقع يديها على صورتي المعلقة في غرفة الاستقبال. وكنت أشم اوجاع أبي. كان فخورا ومقهورا.

لست نادما على ما فعلت. لم اطق رؤية جنود الاحتلال يختالون في شوارع بيروت. اتخذت قراري واخترت طريقي. وفي موعد لاحق ذهبت مع بندقيتي. اطلقت النار على المحتلين وذهبت. امطروني بالرصاص وباح صدري بدمي. استولوا على جثتي واخذوني. سلبوني حياتي وحق الإقامة في وطني. اخترعوا لي وطنا سمّوه "مقبرة الأرقام". وكم كانت الإقامة صعبة. لسعتني الغربة. جاءت الفصول وراحت. تكررت الفصول وراحت. وبقيت مواطنا في "مقبرة الأرقام".

غضبت كثيرا وطويلا. لكنني لم أيأس ولم أنحن. وقلت ستأتي ساعة تعود فيها هذه العظام من غربتها. تعود لتنام حيث كان يجب ان تحيا. وقلت إن وطني لن ينساني. وإن المقاومة لن تنساني في "مقبرة الأرقام". وكنت محقا. وحين حانت الساعة كدت انسى انهم قتلوني. وكدت استجمع قواي وامشي. كأن رائحة الوطن تلحم اجزائي. كأن الشوق الى الوطن يعيد الدم الذي تدفق في ذلك النهار.

لا ضرورة لأن أبوح باسمي. اشبه اسماء كثيرة. انتسبت باكرا الى احد الاحزاب. وحلمت بقيام لبنان عادل وديموقراطي وعلماني. لكن الاولوية كانت في تلك الايام لدحر الاحتلال. تطوعت وتدربت وكان ما كان.

لم يساورني الشك لحظة يوم كنت سجينا تحت تراب العدو. كنت واثقا بأن وطني لن يضيع دمي. وان رفاتي سيرجع ذات يوم الى وطن سيّد حرّ مستقل منيع. دولته دولة. جيشه جيش. قضاؤه قضاء. حكومته حكومة. برلمانه برلمان.

لم يبخل علينا الوطن بموعد لائق. كان الاستقبال حارا. كان عرسا. رأيتهم في المطار يصافحون ويبتسمون ويعانقون. شعرت بأنني من بلد يستحق ان يستشهد الابناء من اجله. وخامرني احساس بأن شعبنا موحد. وان حكومته منهمكة ببناء المدارس وتطوير الجامعات وتوفير فرص العمل. وقضيت الليلة الاولى فخورا ومطمئنا.

وقلت اتابع يوميات الوطن ولو من تحت التراب. شاهدت مسلحين يتبادلون اطلاق النار. انه محور باب التبانة – بعل محسن قال المذيع. وفهمت سريعا انها حرب مذهبية. وان جولات سبقتها في بيروت والبقاع. وسمعت ان الجيش ينتشر ولا ينتشر. وان سياسيين يجتمعون لضمان سحب الغطاء عن المسلحين. وان مسؤولين يوالون الاتصالات لتوفير غطاء لانتشار الجيش. وان الجيش لا يستطيع منع لبناني من احراق منزل جاره او قتل ابنه برصاص القنص من دون توافر الغطاء السياسي. هذا عجيب. ورهيب. سحب غطاء. وتوفير غطاء. والنار المذهبية تتسلل الى النفوس والاحياء.

شاهدت ايضا على الشاشة لجنة تجتمع. ثم تجتمع. تذهب ثم تعود الى الاجتماع. وقال المذيع إنها اللجنة المكلفة بإعداد البيان الوزاري وهو النص الذي ستتغطى به الحكومة لدى مثولها امام المجلس النيابي الموقر ليمنحها الغطاء الضروري للعمل بصورة شرعية ودستورية. وتقضي الأمانة الاعتراف بأن مشهد اللجنة يوحي بالجدية وادراك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها. واستوقفني مشهد شبان جدد ستتيح لهم اعمال اللجنة التدرب على سحب الغطاء وتوفير الغطاء.

وتابعت برامج الحوار السياسي. سمعت كلاما عن سلاح المقاومة. وحصة الشيعة. واستهداف السنة. وتهميش المسيحيين. وموقع الدروز. رأيت الوطن يتحلل امامي جزرا جزرا وينكشف عاريا امام الرياح بلا غطاء. رأيت فاسدين يحاضرون في النزاهة. وميليشيويين يمتدحون دولة المؤسسات. وشرهين يستعدون للانقضاض على ما تبقى في الوزارات والادارات وفي حنايا البقرة التي جف ضرعها من فرط القرصنة.

لست نادما على ما فعلت. لكن هل نستطيع الاطمئنان الى انتصار على العدو في ظل هذه الارض السائبة بلا غطاء؟ وهل يأتي يوم نحسد فيه جثة الجندي الاسرائيلي العدو لأنها عادت الى مكان تحكمه دولة وقوانين؟ ولا اريد ان اخفي شعوري بالخوف والقلق. خائف على الدماء وعلى الشهداء من غياب الدولة والمسؤولية الوطنية. هذه ارض بلا غطاء. اخشى ان اضطر ذات يوم الى الوقوف امام سفارة. اخشى ان اطلب تأشيرة هجرة لأنام في قبر بعيد في تراب بعيد. ليس من حق الشهيد ان يستقيل من الوطن لكن ليس من حق الوطن ان يغتال الشهيد.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل