وظيفة السلاح من غزة إلى لبنان
سواء في غزة الفلسطينية أو في طرابلس اللبنانية، أو في المناطق الاخرى التي تشهد مواجهات داخلية عبثية من وقت الى آخر، باتت هناك حاجة ملحة للبحث في وظيفة هذا السلاح المنتشر بين ايدي شبان الاحياء والأزقة، والذي بدأ حمله في الاساس تحت شعارات التحرير الجذابة، وانتهى الأمر الى استخدامه في الاقتتال الداخلي، على ما نشهد اليوم.
ولأن السلاح مثل بركان خامد لا بد له ان ينفجر في مكان ما، كان لا بد ان يؤدي الهدوء على جبهات القتال مع اسرائيل، سواء باسم التهدئة في غزة، او كنتيجة طبيعية لذيول حرب تموز 2006 في لبنان، الى خروج هذا السلاح من عقاله وسكينته على الحدود الى موقع آخر، وذلك على حساب المدنيين وحياتهم وسلامتهم، التي كان يفترض ان تكون حمايتها هي وظيفته الطبيعية الاولى. هكذا يتحول سلاح التحرير الى سلاح يتم توظيفه في خدمة الصراعات الداخلية وبشائر الحروب الاهلية. ولا يعود مهماً بالنسبة الى المواطن العادي المقيم تحت رحمة هذا السلاح اذا كان القتل والتهجير، اللذان يتعرض لهما، آتيين من جبهة العدو الذي يقاتله أو من جبهة الجار والشقيق الآتي للعون والحماية. ويصبح صراع «حماس» والفصائل المتنازعة معها في غزة، مثل «حروب» باب التبانة وبعل محسن، وقبلها سعدنايل وتعلبايا، والطريق الجديدة في بيروت، جزءاً من مشهد عبثي شامل، ينفّس فيه السلاح عن غضبه ضد أهله، بعدما اصبح صعباً عليه التنفيس في الاماكن الطبيعية التي يفترض ان يتواجد فيها.
وعلى نسق أنظمة عربية تحولت فيها المؤسسات العسكرية الى اجهزة امنية عينها على المواطن لا على الحدود، بسبب اوضاع الهدنة السائدة هناك، بات يُخشى ان تنتقل هذه العدوى الى التنظيمات المقاومة التي أخذت تدفعها التكاليف الباهظة، من سياسية واقتصادية وحربية، التي ترتبها المواجهة مع اسرائيل، الى نقل نفوذ سلاحها في الداخل، ودائماً باسم حق المقاومة في التحرير.
ولأن هذا الحق «مقدس»، كما يقول الشعار، يصبح من المحرمات ايضاً الدخول في اي نقاش حول استخدام هذا السلاح لفرض النفوذ في الداخل، بعد أن تجمدت وظيفته الطبيعية على الحدود. ويصبح من الممنوعات النقاش مثلاً في خلفيات التهدئة التي توصلت إليها «حماس» في غزة مع الاسرائيليين بوساطة مصرية، والتي أثارت ردود فعل غاضبة من جانب تنظيمات تعتبر نفسها اكثر راديكالية من الحركة الاسلامية، مثل «جيش الاسلام». والأمر ذاته ينطبق على البحث عن وظيفة سلاح المقاومة في لبنان، في اطار ما بات معروفاً بـ «الاستراتيجية الدفاعية»، في ظل الظروف الجديدة التي نشأت في السنتين الاخيرتين.
لم تكن هناك مشكلة تتعلق بتسلح «حماس» و «فتح» في غزة، ولم يكن هناك ما يميز عمليات «كتائب القسام» عن تلك التي تنفذها «كتائب شهداء الاقصى»، عندما كانت اهداف البندقية الفلسطينية أهدافاً واحدة. كان قتلى الجانبين شهداء يسقطون في مواجهة العدو الواحد، ولا يقتلون على شاطئ غزة بأيد «مجهولة»، تحتاج الى التحقيق في من يقف وراءها. كذلك الأمر عندما كانت وظيفة المقاومة في لبنان واضحة خلال عمليات التحرير، ولم يكن أحد يرفع الصوت مطالباً بالبحث في وظيفة سلاحها واهدافه. أخطر ما أفرزته التطورات الاخيرة المخاوف من ان يتحول السلاح المقاوم الى سلاح فئوي، له لونه المذهبي الواضح في لبنان، ولونه السياسي ذو الطابع الفصائلي الواضح في غزة.
ليس تخوين الطرف الآخر مخرجاً مناسباً للاجابة على التساؤلات حول وظيفة السلاح المقاوم. لا يملك المقاومون هذه الرفاهية التي تعتبر أقصر الطرق الى الحرب الاهلية. لا بد من اعادة نظر في هذه الوظيفة ضمن الاطار الوطني الجامع، في لبنان على قاعدة الوحدة الوطنية التي يلتقي الجميع عندها على الاهداف والاكلاف، وفي فلسطين على قاعدة اعادة نظر جذرية في اضرار الانقسام المستمر على العمل الفلسطيني. فالهدنات والمفاوضات الناجحة مع العدو، ولو بوساطات خارجية، تستحق أن ترافقها مفاوضات من الوزن نفسه مع الشركاء في الوطن.