السلاح خارج الشرعية مشكلة واجهتها عهود سابقة
من يستطيع حل معضلة سلاح "حزب الله" وبأي ثمن؟
السلاح خارج الشرعية كان مشكلة واجهتها معظم العهود، ومنذ ان كان اللبنانيون في المناطق الجردية ولدى العشائر يقتنون المسدسات والبنادق والقنابل اليدوية وكانت السلطة تتعامل معهم عند وقوع حوادث تارة باللين وطورا بالقسوة لأن السلطة كان هي الاقوى بهيبتها وحجم سلاحها.
وبدأ السلاح المتوسط وأحيانا الثقيل يدخل الى لبنان من دول عربية ولا سيما من سوريا عام 1958 لدعم المعارضة اللبنانية في مواجهة الرئيس شمعون وبحجة الحؤول دون تجديد ولايته ونتيجة انقسام اللبنانيين بين مؤيد للتيار الناصري ومعارض له.
وأخذ دخول السلاح الى لبنان يشكل خطرا على الامن وعلى سلطة الدولة وسيادتها عندما وصلت أول دفعة من الفلسطينيين المسلحين الى منطقة العرقوب في عهد الرئيس شارل حلو وانقسم اللبنانيون حكومة وشعبا في موقفهم من هؤلاء. إذ ان فئة من اللبنانيين رفضت اخراجهم من تلك المنطقة، وفئة دعت الى اخراجهم منها بأي وسيلة مخافة ان ينتشر الوجود الفلسطيني المسلح في أكثر من منطقة من لبنان، وهو ما حصل فعلا عندما لم تحزم الدولة أمرها وتتصدى لهذه المشكلة مهما تكن النتائج، وقبل ان يكبر حجمها. وأدى انتشار السلاح الفلسطيني في مناطق عدة ولا سيما في الجنوب بحجة الدفاع عن القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي، الى انتهاك السيادة الوطنية، والتعدي على سلطة الدولة وصلاحياتها، ودفع لبنان ولا سيما أبناء الجنوب جراء ذلك خسائر بشرية ومادية فادحة وكانت النتيجة ان المقاومة الفلسطينية المنطلقة من لبنان لم تستطع تحرير شبر واحد من أرض فلسطين، بل تسببت في تهجير أبناء الجنوب وفي تعريض لبنان لأكثر من اجتياح اسرائيلي لأرضه بلغ حد احتلال أول عاصمة عربية هي بيروت اضافة الى منطقة الجنوب اللبناني.
وعندما خسرت الدولة المواجهة العسكرية مع الفلسطينيين المسلحين في المخيمات وخارجها في عهد الرئيس سليمان فرنجية زادت المنظمات الفلسطينية تسلحها بالاسلحة المتوسطة والثقيلة بحجة الدفاع عن نفسها، ليس من اسرائيل فقط بل من الدولة اللبنانية نفسها بعد حصول هذه المواجهة.
وعندما عجزت الدولة، ومن ثم الفئات اللبنانية المسلحة عن الحاق الهزيمة بالمنظمات الفلسطينية التي بات لبنان خزانها الرئيسي بعدما هزمت في الاردن لأن فئات لبنانية وقفت مع هذه المنظمات ضد الدولة، كان لا بد من الاستعانة بجيش غير الجيش اللبناني المنقسم على نفسه لوضع حد للحرب اللبنانية – الفلسطينية وللحرب اللبنانية – اللبنانية، فصار اتفاق عربي ودولي على ان يكون الجيش السوري هو الجيش القادر على وقف الاقتتال في لبنان، واخراج المسلحين الفلسطينيين وعلى رأسهم ياسر عرفات من لبنان الى تونس وهو ما حصل ودفع لبنان واللبنانيون ثمن ذلك من سيادتهم واستقلالهم وحريتهم ووصاية سورية عليهم دامت ثلاثين عاما لم تعمد سوريا خلال وصايتها هذه على لبنان، الى اقامة الدولة اللبنانية القوية القادرة على ان تحفظ الامن في كل البلاد بواسطة قواتها الذاتية بل بحاجة دائمة الى معاونة ومساندة القوات السورية. فأبقت تبريرا لذلك على البؤر والجزر الأمنية في المناطق التي توجد فيها المخيمات الفلسطينية وقد تحولت ثكنا بحجة ان لها دورا في مواجهة أي عدوان اسرائيلي على لبنان وفي تحرير الاراضي الفلسطينية واللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي. ولم تعد العمليات الفدائية ضد اسرائيل وعلى قواتها في الجنوب مقتصرة على الفلسطينيين بل أخذت تشمل لبنانيين من الاحزاب اليسارية الى أن ولدت "المقاومة الاسلامية" بقيادة "حزب الله" وبات لها شأن وتقدير عندما نجحت في اخراج الاحتلال الاسرائيلي من الجنوب.
واذا كان اتفاق الطائف ومن ثم القرارات الدولية لا سيما منها القرار 1559 قد دعا الى حل كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها الى الدولة، فان تنفيذ ذلك كان جزئيا إذ اقتصر الامر على الميليشيات اللبنانية فقط، ولم يشمل المنظمات الفلسطينية. وعندما خرجت القوات السورية من لبنان تركت وراءها مخيمات فلسطينية مدججة بالسلاح يلجأ اليها كل فار من وجه العدالة، و"مقاومة اسلامية" توازي قوتها المسلحة قوات السلطة اللبنانية ان لم تفقها، وبات سلاحها لا يمس لانه سلاح "مقدس" من أجل تحرير الاراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها اسرائيل ومن أجل الدفاع عن لبنان ضد أي اعتداء اسرائيلي وان هذا السلاح باق ما دامت هذه الاراضي محتلة ولبنان معرض للخطر الاسرائيلي. واذا كان هذا السلاح قد حظي باحترام اللبنانيين لدوره الوطني ولم يكن موضوع بحث لانه سلاح مقاوم وليس سلاح ميليشيا، فانه فقد هذا الاحترام عندما وقع في خطأ، لا بل في خطيئة تحويله الى الداخل فأثار الهواجس والمخاوف عند اللبنانيين ولا سيما عند مذاهب معينة.
والسؤال المطروح الآن هو: اذا كانت القوات السورية تولت في الماضي نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وأخرجت الفلسطينيين المسلحين من لبنان الى تونس، فأي قوة تستطيع ان تسحب سلاح "حزب الله" وبأي ثمن؟
هل سوريا التي تستطيع وقف إمرار السلاح الى "حزب الله" عبر أراضيها في مقابل ان يكون في لبنان حكم ترتاح اليه وتطمئن الى مواقفه ويكون على علاقات مميزة معها، وأن تنتهي مفاوضات السلام مع اسرائيل باستعادة الجولان؟ هل ايران التي ربطت بين بدء التفاوض مع المجتمع الدولي في شأن ملفها النووي و"حل الكثير من المشكلات في العراق ولبنان واسعار النفط". هذا ما جعل أوساطا سياسية تتساءل، هل معنى هذا ان سلاح "حزب الله" بات مطروحا في المقايضات السياسية والتسويات والصفقات ولا أحد يعرف على من ترسو؟
ليست حكومة "الوحدة الوطنية" التي تغرق في الجدل حول اختيار العبارات الملائمة في بيانها الوزاري التي ترضي الجميع في موضوع "سلاح حزب الله" هي التي تأتي بالحل لمشكلة هذا السلاح أيا تكن العبارات، انما الحل يأتي من مصدره من دون سواه. أي من سوريا او ايران ولا سيما ايران، والا فلا حل له ولكن من ذا الذي يدفع ثمن الحل، وعلى حساب من، بعدما عاد لبنان رهينة؟
