من أجل "نص" محروق؟
يظلم أعضاء اللجنة الوزارية المكلفة وضع البيان الوزاري للحكومة الجديدة أنفسهم بهذه المشقة الماراتونية المتمادية منذ اسبوعين لصوغ نص قد لا يكلف معظم اللبنانيين أنفسهم عناء قراءته خصوصا اذا جاء مطابقا بحرفيته لقواعد جمع الاستحالات والاستعانة "بالغموض البناء" لانقاذ التسوية التي تجسدها هذه الحكومة.
فتركيبة هذه الحكومة في أساسها وفرت لها المبررات التخفيفية من مهمة اعادة الاعتبار الى النصوص. فكيف بظروف تشكيلها من أجل حقبة انتقالية سريعة؟ وقد كانت ولادتها عنوانا مجلجلا لتكريس أمر واقع قسري ساد منذ عامين، ولا يزال، سقطت معه أي قيمة فعلية للنصوص الدستورية والقانونية وبات لبنان في ظل هذا الواقع أشبه بدولة معلقة فوق نصوص بلا جدوى وممارسات أقوى من المواثيق.
عممت سياسات التعطيل المتبعة منذ عامين "ثقافة" ولا أخطر على النظام الدستوري، وهي ثقافة امتهان الاصول والضرب عرض الحائط بالنصوص والمواثيق، فباتت نظرة الناس الى "الدولة"، صنيعة ما عممته قوى الامر الواقع التي تتحمل مسؤولية تاريخية بالتكامل عن الاتجاه بلبنان نحو منحى جذري مختلف تماما عن لبنان الدستوري الذي كان.
ولم يكن أدلّ على ذلك من تجربة الاسبوعين الاخيرين في محاولة وضع بيان وزاري يراد له ان يكرس "شرعيا" ابتكار دولة بنظامين يستحيل جمعهما الا بابتداع ظاهرة هجينة يتحول معها النص شاهد زور على مزيد من تجويف المفهوم السوي والاصلي والنظامي للدولة.
تكثر في هذه المحاولة المفارقات الساخرة والفاضحة والمدمرة لكل الاصول. منها على سبيل المثال لا الحصر الارتجال المبسط في ايراد ما يسمى "المراجع" التي يستند اليها البيان الوزاري. وعلى طريقة فولكلورية بلدية كأنها مصالحة عشائرية على عجل، يدرج الدستور واتفاق الطائف واتفاق الدوحة في أساس البيان الموعود ويضاف اليهم البيان الوزاري للحكومة السابقة والقرار 1701 وخطاب القسم لرئيس الجمهورية و"خطاب المطار" في استقبال الاسرى، وربما يضاف لاحقا ما غفل عنه بعضهم او ما تفتقت عنه قرائح بعضهم الآخر.
لكأن المسألة مجرد بحث نظري سريع يمكن بتها بعجالة "التلزيق" او "اللصق" أو رصف وثيقة من هنا ونص من هناك، ويراد للناس ان يصدقوا ان في لبنان طبقة سياسية جادة تعمل على استيلاد نص سيكون منطلقا لقيامة الدولة.
ومع ذلك فان فضيلة هذه التجربة التي تشكل باكورة مآثر "حكومة الوحدة الوطنية" هي انها أسقطت بسرعة مذهلة كل الاوهام التي اعترت البعض حيال هذا الطراز من الحكومات. فاذا كانت اللجنة الوزارية عجزت عن مجرد احالة القضايا الخلافية على طاولة الحوار الأوسع، وهي في بداية الطريق، لن يحتاج اللبنانيون الى مخيلة خصبة ولماعة في توقع سائر المشتقات الآتية خصوصا حين يصبح عمل الحكومة على تماس لاهب مع يوميات الناس والازمات ومع اجراءات ادارة الدولة وموجباتها.
من هذه الناحية على الاقل لن يبقى النص غلالة شفافة تحجب ظاهرة النظامين والمشروعين والتوجهين وكل ما يستبطنه الخداع اللفظي الذي يجمع "حكومة وحدة وطنية". وسوف يعاين الناس الهوة السحيقة التي تفصل بين النصوص والممارسات، وبين الكلام والافعال، وبين الخداع والحقائق، اللهم اذا أبقت الحمى الانتخايبة المندلعة باكرا في رؤوس اللبنانيين حيزا باردا للرؤية عن بعد والتمييز بين الصدق والنفاق.
فلماذا اذا الاستغراق في محرقة النصوص وهي محترقة هالكة سواء على الورق او على الارض؟
