مخاوف على استقرار هشّ حتى الانتخابات النيابية

حجم الخط

بين عمليات "إعادة التموضع" الخارجية والداخلية والحسابات المتداخلة
مخاوف على استقرار هشّ حتى الانتخابات النيابية

تخشى مصادر سياسية واسعة الاطلاع ألا يكون لبنان مقبلا على فترة هدوء واستقرار بالمقدار الذي تم التعويل عليه بعد تأليف الحكومة وحتى بعد انتخاب رئيس الجمهورية ميشال سليمان في 25 أيار الماضي، اي ان هذه الفترة ستدوم حتى موعد الانتخابات النيابية في الربيع المقبل. وهناك على الاقل مؤشران سلبيان في هذا الاتجاه، الاول هو العرقلة الواضحة في انجاز البيان الوزاري للحكومة بعد العرقلة التي شهدها تأليف الحكومة، والآخر هو الحوادث الامنية الدامية في طرابلس، علما انها ليست الاولى، وتكتسب دلالات محلية واخرى اقليمية. والامران ينعكسان سلبا الى حد بعيد على انطلاقة عهد الرئيس سليمان، خصوصا بالنسبة الى الوضع الامني في طرابلس الذي يتكرر للمرة الثانية بعنف منذ انتخاب رئيس الجمهورية، ولا يبدو تدخل الجيش موافقا لطموحات المواطنين الى درجة ابداء تحفظات علنية في هذا الاطار .

هذه الانطلاقة تبدو موضوعة حتى الان في الاستيداع او في الانتظار، ولا يظهر ما يدفعها الى الامام على رغم الرهان الديبلوماسي القوي على قدرة سليمان على التحرك في ضوء ما سلفه حتى الآن من مواقف مطمئنة الى السوريين وحلفائهم في الداخل، وخصوصاً "حزب الله"، وفق ما رأى ديبلوماسيون كثر في مشاركته في استقبال الاسرى وما قدمه من اجل ذلك وحتى في ما اعلنه. ولم يظهر اي تثمير داخلي من اي نوع كان للحفاوة التي احيط بها الرئيس سليمان في زيارته لباريس على هامش قمة الاتحاد من اجل المتوسط في 13 تموز و14 منه، اللهم الا الاتفاق على تفعيل العلاقات اللبنانية السورية. والتحدي الاول المرتقب في هذا الاطار هو ما ستقدمه اليه سوريا التي جزم رئيس الجمهورية بأنه سيرد في شأنها على كل المشككين ويثبت ان سوريا ستعطي لبنان ما يريده، علما ان ما يطمح اليه لبنان من سوريا كثير، ويتّصل باساس قيام علاقات ندية بين البلدين وفق ما جاء في خطاب القسم لرئيس الجمهورية، الامر الذي تردد انه لم يلق صدى ايجابيا لدى دمشق التي سبق ان تحفظت عن استخدام رئيس الحكومة فؤاد السنيورة للعبارة نفسها.

اما مثار الخشية من بقاء الوضع مهتزا فيتصل بالاقتناع بأن الكثير من الدول الاقليمية وحتى الدول الغربية تعيد تموضعها قبل ثلاثة اشهر من الانتخابات الاميركية المرتقبة في الاسبوع الاول من تشرين الثاني المقبل. ومن هذه الدول من لا يرغب في ان يلحق بالسياسة الاميركية الجديدة، بل ان يستبقها، وهذا ما يعتبر كثيرون ان دولا اوروبية تقوم به راهنا. وعلى هذا الاساس فان لبنان يواجه مرحلة تسعى فيها دول متورطة فيه على نحو مباشر او غير مباشر الى تحسين اوراقها وتعزيزها والاستعداد لما بعد هذه الانتخابات. هذا لا يعني ان الافرقاء اللبنانيين منزهون عن الحسابات الشخصية المباشرة. وهذه الحسابات تتصل باعادة تموضع البعض منهم او غالبيتهم، قبل اشهر قليلة من الانتخابات النيابية المقبلة المفترضة في الربيع المقبل، فيساهمون في زيادة التعقيدات عبر مصالحهم المباشرة، على التعقيدات الاقليمية والدولية، وفق ما توضحه اهتمامات كل فريق وخطابه السياسي، ان في اللجنة الوزارية المكلفة اعداد البيان الوزاري خصوصا او خارجها. كما تتصل باعادة تموضعهم ايضا في ضوء الحسابات الدولية والاقليمية في ضوء الانتخابات الاميركية المقبلة ونتائجها او التطورات الاقليمية الاخرى الحاصلة.

لكن أي شيء ملموس لا يثبت ان الدول التي كانت معنية بالوضع اللبناني ولا تزال، قد تخلت عن اوراقها فيه، بل على العكس من ذلك كليا. الا ان ما يواجهه لبنان موضوعيا في المرحلة الراهنة هو انه رغم معرفة هذا الواقع جيدا من الجميع بدليل محاولة اللجوء الى الخارج من اجل الضغط في هذا الاتجاه او ذاك، فان ثمة ميلاً غربياً قوياً الى تحميل اللبنانيين كل المسؤولية، ان في طبيعة تأليف الحكومة قبل اسابيع او في التعقيدات التي تواجه البيان الوزاري. اذ تعتبر دول كثيرة ان ثمة قرارات اتخذت بارتجال ومن دون درس معمّق، خصوصا ما ادى منها الى اتفاق الدوحة التي يتحمل مسؤوليتها بعض الافرقاء وتاليا من غير الممكن المساهمة في ايجاد حلول منصفة في ضوء المعطيات الجديدة التي ادت اليها هذه القرارات.

ولا تقلل المصادر السياسية المعنية أهمية الهدوء السياسي النسبي الذي سجل على جبهة الافرقاء جميعا بعد انتخاب العماد سليمان رئيسا للجمهورية وتأليف الحكومة. وهذا امر يقوّم ايجابا الى حد بعيد، خصوصا ان الدول الكبرى لا تود ان تبقى منشغلة بالقلق والعمل من اجل لبنان، حتى ان البعض منها قد انصرف مرتاحاً الى أولويات اخرى.

وهو ما بات يعانيه لبنان ايضا جنبا الى جنب مع اعادة التموضع الغربية وحتى الاقليمية قبل الانتخابات الاميركية المقبلة ونتائجها. ويمكن المتابعين تسجيل التطورين على مستوى ســوريا وايران في الاسابيع الاخيرة على الاقل، بحيث يمكن الجزم بسعي كل من الدولتين الى اعادة تموضع كل منهما تحسبا لنتائج هذه الانتخابات وفي كل الاتجاهات، اي سلبا او ايجابا.

وازاء هذه المعطيات تفترض المصادر المعنية ان الاستقرار في الداخل سيظل مشوبا بالكثير من الاضطراب السياسي او الامني، وصولا الى الانتخابات النيابية التي يخشى اللجوء فيها اكثر الى استخدام السلاح كما في 7 ايار الماضي، وعلى نحو اكثر عنفا، على ما يخشى، اذا لم توح النتائج المرتقبة بما يرغب به الطامحون المحليون والاقليميون من انقلاب في المشهد السياسي خلال الاعوام الثلاثة الأخيرة، وحتى راهنا في لبنان لمصلحتهم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل