#adsense

وفي البيان الوزاري كذلك الهدف تأكيد وجود انتصارات

حجم الخط

.. وفي البيان الوزاري كذلك الهدف تأكيد وجود "انتصارات"!

تعلن "المناوشات" داخل لجنة صياغة البيان الوزاري لـ"حكومة الوحدة الوطنية" على مدى أسبوعين للآن أن الحرب المستمرة في الشارع منذ ثلاثة أعوام، وتالياً داخل الحكومة واذاً بين أعضاء اللجنة، لا تزال في أوجها. الا أنها تكشف في الوقت نفسه حقيقتين أساسيتين: أن كلا الفريقين يريد، بالرغم من كل شيء، أن يجسد البيان "نصراً" ما له في الحرب استعداداً ربما للجولة التالية منها، أو من التسوية في حال الوصول اليها، وأنهما لا يريان أمام عيونهما عملياً (بغض النظر عن الظروف المأسوية للناس حياتياً واقتصادياً واجتماعياً) سوى الانتخابات النيابية المقبلة بعد عشرة شهور.

وبشكل أكثر تحديداً، يريد فريق الثامن من آذار أن يجسد في البيان ما قالته قياداته سابقا، وفي مقدمها "حزب الله"، من أن تغيراً جذرياً في ميزان القوى حدث يومي السابع والثامن من أيار العام 2008 نتيجة اجتياح بيروت وبعض الجبل والشمال، وأن هذا التغير يجب أن يترجم سياسياً بعبارات محددة وبالغة الوضوح. واذا كان بعض هذه القيادات يتحدث عن اعادة نسخ الفقرات الواردة في بيان الحكومة السابقة حول "المقاومة" وتالياً سلاحها، فهو يعتبر أنه بذلك انما يقدم تنازلاً عن "حق" من حقوقه.. أقله بدليل "الانتصار" الجديد الذي حققه الحزب في تحرير الأسرى واستعادة رفات الشهداء من الأراضي المحتلة.

وفي المقابل، لا يرى فريق الرابع عشر من آذار في ما شهده لبنان في شهر أيار الا أنه خطأ (والبعض يعتبره خطيئة) عملت الأكثرية والشعب اللبناني عموما على احتوائه، بالتعاون مع المجتمعين الدولي والعربي من خلال مؤتمر الدوحة، وأن انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة الجديدة (أي عمليا اعادة احياء الدولة، أو شبه الدولة) كانا ثمرة هذا الاحتواء ليس الا .. وتنازلات الأكثرية في اتفاق الدوحة، ثم في تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب، هي الدليل الذي لا يستطيع أن ينكره الا مكابر.

بهذا المعنى، فليس هناك تباين بين الفريقين حول النظرة الى ما شهدته البلاد خلال الأعوام السابقة فقط بل أيضا الى "المخرج" الذي أمكن ابتداعه في الدوحة وبعدها لوقف عملية الهدم الممنهجة التي كانت تجري للدولة ومؤسساتها. وحتى في ما يتعلق بالمناخ الأقليمي ـ الدولي الجديد الذي يتفق الجميع على أنه ساهم الى حد كبير في مناخ التهدئة اللبناني، فالتباين قائم بدوره كذلك .. اذ يرى فريق الثامن من آذار فيه "تراجعا" أميركيا واسرائيليا وفرنسيا بازاء كل من ايران وسوريا، بينما لا يرى فريق الرابع عشر من آذار فيه الا نوعا من التراجع من كل من طهران ودمشق.

دليل ذلك أيضا أنه، بعد اتفاق الدوحة، ارتفعت أصوات متقابلة يتحدث أحدها عن اسقاط توصيف الفريقين بأنهما "موالاة" و"معارضة" انطلاقا من كونهما يشتركان معا في حكومة واحدة، واستبداله بتوصيف أكثر دقة هو أنهما "أكثرية" و"أقلية"، فيما يقول الثاني بابقاء الوضع على ما كان عليه واعتبار أن المعارضة انما اشتركت في الحكومة بهدف معارضتها من الداخل. هل تعني "الحرب" بين أعضاء لجنة صياغة البيان الوزاري، وفقط حول عبارات في بيان مؤقت لحكومة مؤقتة، غير ذلك ؟!.

من نافل القول إن "المناوشات" بين الفرقاء السياسيين، في لجنة الصياغة وتاليا في الحكومة، انما تعبّر عن واقع لا يجوز تجاهله في هذه الفترة من حياة لبنان السياسية: واقع أن تحولات اقليمية بدأت فعلا، أو هي قيد البدء، وأن أطرافا لبنانية تراقب هذه التحولات بانتظار معرفة ما ستؤول اليه لكي تبني على الشيء مقتضاه لبنانيا، وواقع أنه في المقابل سيشهد لبنان انتخابات نيابية بعد شهور يقتضي التحضير لها بسلسلة من "الانتصارات" وان تكن في صورة كلمات وعبارات في بيان وزاري محكوم بنتيجة تلك الانتخابات.

اذاً ماذا يعني الاصرار، في هذا البيان، على استخدام كلمات "المقاومة" للاحتلال وسلاح هذه "المقاومة"، والحديث فيه كذلك (كما يقول المصرون) عن تمسك لبنان بالقرارات الدولية بما فيها القرار 1701 الذي يرعى شؤون ما تبقى من الأرض اللبنانية تحت الاحتلال فضلا عن تحرير الأسرى (وهو ما حدث فعلا وفق هذا القرار) وانهاء احتلال مزارع شبعا عن طريق وضعها في عهدة القوات الدولية ونشر الجيش اللبناني على امتداد الحدود مع اسرائيل والعودة الى اتفاق الهدنة ووقف الانتهاكات الجوية والبرية والبحرية ؟!.

بل ماذا يعني، في الوقت نفسه، التزام لبنان الكامل باتفاقي الطائف والدوحة اللذين يتحدثان عن ذلك كله اضافة الى تأكيدهما على وحدانية السلاح الشرعي من دون غيره، بينما يتفق الجميع على الاشادة بهذا السلاح والتزام تعزيزه كما ونوعا، فضلا عن اتفاقهم على أن ما تبقى من الأرض اللبنانية (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا) تحت الاحتلال لا يتجاوز كيلومترات مربعة معدودة ؟!.

ما أشبه الليلة بالبارحة، كما يقول المثل المعروف !!.
فقد مر على لبنان عامان من الكلام على "الوعد بالانتصار مجددا"، باستقالة بعض الوزراء ونصب مخيم اعتصام في قلب العاصمة ومن دون مجلس نواب ثم من دون رئيس للجمهورية، لينتهيا كما بات معروفا للجميع في اتفاق الدوحة … ولكن مع ارتفاع الأصابع اشارة الى ذلك "الانتصار".
وعلى أهمية اتفاق تبادل الأسرى وجثامين الشهداء، وادارة "حزب الله" بكفاءة منقطعة النظير للمفاوضات بشأنه، فالمظاهر الاحتفالية المبالغ بها لتنفيذ الاتفاق وعودة الأسرى لا تخرج عن النظرية اياها: "الوعد بالانتصار مجددا .. ودائما".

وما يحدث منذ أكثر من أسبوعين، "المناوشات" الناشبة داخل لجنة صياغة البيان الوزاري، ليس بدوره الا في سياق "الوعد بالانتصار" اياه.
… وليغمض اللبنانيون عيونهم عن أزماتهم الحياتية والاقتصادية ـ الاجتماعية وهجرة أبنائهم بعشرات الآلاف الى الخارج، لأن ما يهم في هذه الفترة ليس أكثر من تأكيد "الانتصارات" في الماضي والحاضر استعدادا لتحقيق "انتصارات" أخرى في الانتخابات النيابية بعد شهور.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل